حقوق المستهلك وفقاً لقانون حماية المستهلك العماني لعام 2014م

إدراكاً لضرورة تمتّع المستهلكين بمنتجات غير خطرة أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1985 مجموعة من الحقوق التي يجب توفيرها للمستهلك والتي تعتبر بمثابة مبادئ توجيهية لحماية المستهلك يتعيّن على جميع الدول اعتمادها كأساس لوضع قوانينها وأنظمتها الخاصة بحماية المستهلك.([1]) وبما أن قضايا المستهلك كثيرة ومتشعبة ومتنوعة وتختلف أولوياتها من دولة لأخرى فقد حددت منظمة الأمم المتحدة منذ عام 1985 تاريخ 15 مارس من كل عام "كيوم عالمي للمستهلك"، يتم فيه تناول حقوق المستهلك بالنسبة للغذاء، الصحة، البيئة، المعرفة، ومن خلاله يتم فيه تسليط الضوء على مختلف القضايا التي تهم المستهلك.
وقد اهتمت كافة التشريعات في الدول المتقدمة اقتصادياً بتنظيم العلاقة بين المنتجين والمستهلكين وذلك من أجل الحفاظ على وجود اقتصاد سليم ومتوازن لإدراكهم بأن الدورة الاقتصادية تمر بثلاث مراحل أساسية: الإنتاج والتوزيع ثم المستهلك، وهذه المرحلة الأخيرة مهمة جداّ كون أن استهلاك المنتجات يحث المنتجين على توفيرها وتحسين نوعيتها وبالتالي توفير حماية للمستهلك يؤدي إلى تشجيع الإنتاج.([2])
انضمام سلطنة عمان لمنظمة التجارة العالمية في نوفمبر 2000 جاء تأكيداً لمقتضيات المادة 11 من النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 101/ 1996، والتي بيّنت أن الاقتصاد الوطني قوامه مبادئ الاقتصاد الحر بغية تحقيق التـنمية الاقتصاديـة والاجتماعية بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ورفع مستـوى المعيشـة للمواطنين. إلاّ أن هكذا انضمام أدى إلى فتح السوق العماني للسلع والخدمات القادمة من عدة دول كون أن تقييد حرية انتقال السلع والخدمات أو تحديد كميتها أصبح بشكل عام من المحظورات. على الرغم بأن هذا الانفتاح الخارجي له عدة إيجابيات من ضمنها ضمان توفّر السلع والخدمات الكفيلة بتحقيق رغبات المواطنين والمقيمين إلاّ أن هذا الانفتاح أدى بدوره إلى بروز العديد من التجّار الذي التجأوا إلى استعمال وسائل الغش والخداع للترويج لسلع ذات جودة متدنيّة جداً وغير صالحة للاستخدام الآدمي أو إلى الترويج لسلع مقلّدة بغية تضليل المستهلك وإيهامه بأنها سلع أصلية من حيث المصدر.
وسعياً من السلطنة لمكافحة مثل هذه التصرفات ورغبةً منها في توفير حماية خاصة للمستهلك، صدر المرسوم السلطاني رقم 81/ 2002 باستصدار أول قانون خاص بحماية المستهلك،([3]) تبعه المرسوم الصادر في عام 2011 والخاص بإنشاء الهيئة العامة لحماية المستهلك (بعد أن كانت مديرية تابعة لوزارة التجارة والصناعة). ورغبةّ من المشرّع العماني في توسيع نطاق الحماية صدر قانون آخر لحماية المستهلك في عام 2014 والذي بمقتضاه ألغى القانون السابق، وفي 9 مارس 2017 صدرت اللائحة التنفيذية لقانون حماية المستهلك، إلى جانب قانون حماية المستهلك وقوانين أخرى (كقانون "نظام" العلامات التجارية الموحد لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعام 2017، وقانون الملكية الصناعية لعام 2008، وقانون سلامة الغذاء لعام 2008) تضمّن قانون الجزاء العماني الصادر في عام 2018 فصلاً خاصاً بتجريم بعض الأفعال المتعلّقة بالغش في المعاملات، وفي هذا المقال سوف يتم التطرق لأهم الحقوق التي كفلها قانون حماية المستهلك العماني.
أورد قانون حماية المستهلك العماني في المادة 14 مجموعة من الحقوق التي جاءت على سبيل المثال لا الحصر، وبالتالي كفل القانون حماية ما قد ينشأ في المستقبل من حقوق للمستهلك كنتيجة للتقدم التقني والتكنولوجي. وقبل التطرق لبيان هذه الحقوق، ينبغي التنويه بأن قانون حماية المستهلك عرّف "المستهلك" في المادة الأولى منه بأنه "كل شخص طبيعي أو اعتباري يحصل على سلعة أو يتلقى خدمة بمقابل أو بدون مقابل". ومن خلال التعريف يتضح بأن المشرع العماني توسّع في مفهوم المستهلك من خلال إدراجه لكل الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين اللذين يحصلون على السلع والخدمات عن طريق الشراء أو عن طريق الهبة والعطايا والهدايا، وبالتالي دفع مبلغ مالي لقاء الحصول على السلعة أو الخدمة ليس لازماً لإسباغ وصف المستهلك على من حصل عليها. وبالتالي فإنه يتمتع بالمركز القانوني سواء حصل عليها بمقابل أو بدون مقابل وبمجرد اكتسابه لوصف المستهلك يحق له ممارسة كافة الحقوق المقررة له بموجب القانون.
وفيما يلي بيان لأبرز الحقوق بشيء من الإيجاز:1- حق المستهلك فــــي الحصـــول علـــى المعلومــــــات الصحيحـــــة عـــــن السلعــــــة التــــي يشتريها، أو يستخدمها، أو الخدمة التي يتلقاها، أو ما يطلق عليه "حق المستهلك في الإعلام". ومن نص المادة يتضح بأن الأمر لا يتوقف عند حق المستهلك في الحصول على بيانات ومعلومات عن السلعة التي يشتريها أو الخدمة التي يتلقاها، وإنما نبّه المشرّع إلى ضرورة أن تكون البيانات والمعلومات المقدّمة صحيحة أي غير خادعة أو تنطوي على كذب أو احتيال. حق المستهلك في الحصول على المعلومات الصحيحة يقابله التزام المزوّد القانوني بتزويد المستهلك بمعلومات صحيحة عن السلعة أو الخدمة، وهذا ما ورد التأكيد عليه في المادة 19 من القانون والتي نصت على الآتي: "يلتزم كل من المزود والمعلن بإمداد المستهلك بمعلومات صحيحة عن السلعة أو الخدمة، وفي جميع الأحوال يجب على المزوّد أن يبيّن باللغة العربية وبشكل ظاهر على السلعة المعلومات الخاصة بالسعر والوزن وتاريخ الإنتاج وانتهاء الصلاحية واسم المادة ومكوناتها وبلد المنشأ ورقم المواصفة، …". ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن التزام المزوّد بضرورة تزويد المستهلك بمعلومات صحيحة عن السلعة أو الخدمة هو التزام بتحقيق نتيجة وليس التزاماً ببذل عناية.([4]) 2- حق المستهلك في الاختيار الحر حين انتقائه أي سلعة أو خدمة، أي أن المستهلك يتمتع بحق الاختيار الحر بين مختلف السلع المتاحة أو مختلف الخدمات المتوفرة دون إجباره أو اضطراره لشراء سلعة بعينها؛ ولهذا يحظر على المزوّد التأثير على الاختيار الحر للمستهلك، كأن يلزمه بشراء سلعتين مختلفين في آن واحد، وعدم إتاحة أي منهما للشراء بصورة منفردة، فمثل هذه الأمور تمثل انتهاكاً لحق المستهلك في الاختيار الحر حال انتقائه السلعة أو تلقيه الخدمة.([5])3- الحق فـي ضمان جودة السلعة والخدمة والحصول عليهما بالسعر المعلن: ومعنى هذا أن للمستهلك الحصول على سلعة وخدمة ذات جودة عالية وأن تكون وفقاً للمواصفات القياسية([6]) المعتمدة من الجهات المختصة. وفي واقع الأمر هذا يعتبر في آن واحد التزام من ضمن الالتزامات التي تقع على عاتق المزوّد للخدمة أو السلعة والتي أكدت عليه المادة 22 من القانون بقولها: "مع عدم الإخلال بأي ضمانات أخرى قانونية أو اتفاقية تكون لصالح المستهلك، يلتزم المزوّد بضمان السلع والخدمات التي يقدمها للمستهلك من حيث مطابقتها للمواصفات القياسية والشروط المتعلّقة بالصحة العامة والسلامة والبيئية، وفي حال عدم وجود مواصفة قياسية فيتعيّن الالتزام بالمواصفة المتعارف عليها". 4- الحق فـي كل ما يضمن له صحته وسلامته عند حصوله على أي سلعة أو تلقيه أي خدمة، وعدم إلحاق الضرر به عند استعماله العادي لهذه السلعة أو الخدمة. هنا المشرّع كفل للمستهلك كل ما من شأنه أن يضمن له صحته وسلامته وعدم إلحاق الضرر به عند استعماله العادي لهذه السلعة أو الخدمة. وبالتالي فإن أي ضرر يلحق بصحة المستهلك وسلامته ويكون ناتجاً عن الاستعمال العادي للسلعة أو الخدمة، يتحمّل تبعته المزوّد كونه عرّض سلامة المستهلك للضرر في حين أن سلامته مكفولة بمقتضى القانون، غير أن ذلك -وكما هو ظاهر من النص- مرهون بألاّ يكون هذا الضرر ناتج عن الاستعمال الخاطئ للسلعة أو الخدمة من قِبل المستهلك، وإلاّ فقد المستهلك الحق الذي كفله له القانون، إذ لا يحق للمخطئ أن يستفيد من خطئه.([7])
5- الحق فــي اقتضـــاء تعويض عـــادل عن الضــرر الـــذي يلحق بـــه وبأمـــواله بسبـــب حصوله أو استعماله العادي للسلعة أو تلقيه الخدمة: هذا الحق مرتبطاً بحق المستهلك في الحصول على سلعة لا تسبّب له ضرراً من جرّاء الاستعمال العادي لها، فإذا ما أصاب المستهلك ضرر نتيجة استعماله العادي للسلعة أو الخدمة، فإن المشرّع كفل له حق الحصول على تعويض عادل عمّا أصابه من ضرر في شخصه أو ماله. وبالتالي كفل القانون هنا حق المستهلكين في اللجوء إلى القضاء والحصول على تعويض عادل جرّاء شرائهم لسلع مغشوشة أو مقلّدة تعويضاً لهم عن الضرر المالي والجسدي. وقد بيّنت المادة 17 من اللائحة التنفيذية بأن تحديد قيمة الضرر الذي لحق بالمستهلك نتيجة شرائه السلعة المعيبة، أو الإخلال في تقديم الخدمة، والقيمة التي يجب على المزود دفعها إليه يكون إمّا بالاتفاق بين المستهلك والمزود، وإما باللجوء إلى الهيئة وفقا للآلية التي يصدر بها قرار من الرئيس، أو إلى المحكمة المختصة.6- الحق فـي تمثيل مصالحه عند إعداد السياسات الخاصة بحماية المستهلك: أي أخذ رأي المستهلك عند إعداد القوانيين واللوائح والقرارات الخاصة بحمايته كمستهلك، سواء عن طريق أخذ رأي جمعيات المستهلك المدافعة عن حقوقهم أو بعمل استبانات موجهة لشريحة معيّنة من المجتمع وفق أسس علمية واضحة. 7- الحق فـي احتـــــرام القيــــم الدينيــــة والعـــادات والتقاليـــــد للمستهـــلك عـــند تزويــــده بأي سلعة أو تلقيه أي خدمة. وفقاً لهذا الحق يلتزم المزوّدين بعدم المساس بالقيم الدينية والعادات والتقاليد المترسّخة في المجتمع من خلال وضع صور أو رموز على السلع من شأنها خدش الحياء أو انتهاك حرمة الدين أو من شأنها التقليل من شأن العادات والتقاليد السائدة في المجتمع كون أن ذلك يُعدُّ انتهاكاً لحق المستهلك في احترام قيمه الدينية وعاداته وتقاليده.
إلى جانب الحقوق الواردة في المادة 14 والمشار إليها أعلاه، تضمّن قانون حماية المستهلك ولائحته التنفيذية أمثلةً لحقوق أخرى مكفولة بحكم القانون. من ذلك على سبيل المثال حقه في الحصول على ضمان من قِبل المزوّد وهو ما نصت عليه المادة 17 بقولها: " للمستهلك في كل الأحوال الحق في الضمان من قبل المزود لكل سلعة، ويبقى هذا الضمان قائماً لمصلحة المستهلك الأخير عند انتقال ملكية السلعة إليه، ويقع باطلا كل اتفاق ينص على خلاف ذلك". وكذلك ما ورد بالمادة 15 من القانون والتي نصت على أنه: "للمستهلك الحق فـي الحصـــول على فاتـــورة باللغة العربية تثبـت شراءه السلعـــة أو تلقيـــه الخدمـــة ، ويجــب أن تتضمــن الفاتـــورة البيانــــات الأساسية الخاصة بالسلعـــة أو الخدمـــة …".([8]) ومن ذلك ما كفلته اللائحة التنفيذية لقانون حماية المستهلك الصادرة في 2017، حيث نصت المادة 11 على الآتي: " للرئيس اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها ضمان حقوق المستهلك، وتنظيم نزاهة المعاملات، بصورة تحترم فيها القواعد العامة المتعلقة بسلامة السلع والخدمات، والتثبت من مدى مطابقتها للمواصفات القياسية، وله بصفة خاصة اتخاذ ما يأتي: (1) إصدار تحذيرات أو تنبيهات أو اتخاذ أي احتياطات يعلن عنها، ويعرّف بها المستهلك. (2) إلزام المزود بإرجاع السلع قصد إبدالها أو تغييرها، أو رد ثمنها كليا أو جزئيا".
د. صالح بن حمد بن محمد البراشديكلية الحقوق – جامعة السلطان قابوس
[1] من ضمن حقوق المستهلك التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة: حقه في السلامة من السلع والخدمات وعمليات الإنتاج التي يمكن أن تحدث له أضراراً فيما يتعلق بصحته وسلامته، حقه في إشباع احتياجاته الأساسية من السلع والخدمات، حقه في الاستماع إليه، حقه في معرفة المعلومات الخاصة بالسلع والخدمات من حيث مصدرها وطبيعة مكوناتها والنتائج المترتبة على استخدامها، حقه في التثقيف من خلال إدراكه لحقوقه الأساسية كمستهلك، حقه في الاختيار من خلال توافر خيارات وبدائل متعددة من السلع والخدمات وبأسعار تنافسية. للاطلاع على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 39/ 248 أنظر: https://documents-dds-ny.un.org/doc/RESOLUTION/GEN/NR0/457/25/IMG/NR045725.pdf?OpenElement[2] محمد محبوبي، "مظاهر حماية المستهلك في ضوء التشريع المغربي"، مجلة الفقه والقانون، (عدد 26 نوفمبر 2010) ص 2.[3] هذا لا يعني عدم وجود حماية للمستهلك قبل هذا التاريخ، بل كانت هناك نصوص مبعثرة هنا وهناك في عدة قوانين خاصة، منها على سبيل المثال قانون الجزاء الصادر في عام 1973، وقانون العلامات والبيانات الجغرافية الصادر في عام 1986. [4] عدنان ابراهيم سرحان، "حق المستهلك في الحصول على الحقائق: المعلومات والبيانات الصحيحة عن السلع والخدمات، مجلة الفكر، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، العدد الثامن، 2012، ص. 18. [5] أنظر: شريف حلمي أبو الخير، شرح مبسّط لقانون حماية المستهلك العماني، (مركز الغندور، القاهرة، 2016)، ص. 41.[6] في هذا الصدد، عرفت المادة الأولى من قانون حماية المستهلك مصطلح "المواصفة القياسية" بالآتي: "المعايير الإلزامية المعتمدة من المديرية العامة للمواصفات والمقاييس بوزارة التجارة والصناعة". [7] أنظر: شريف حلمي أبو الخير، مرجع سابق، ص. 43.[8] في هذا الصدد نصت المادة 24 من القانون على الآتي: يلتزم المزود بتسليم المستهلك وثيقة أو فاتورة مدونة باللغة العربية وبخط واضح يسهل قراءته تثبت شراءه السلعة أو تلقيه الخدمة، ويجب أن تتضمن الفاتورة البيانات الأساسية الخاصة بالسلعة أو الخدمة، وذلك على النحو الذي تبينه اللائحة".

Authentic Article

About siteadmin

Check Also

المدعي العام يصدر تعميما قضائياً بشأن قضايا إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات

مسقط في 22 نوفمبر / العمانية / أصدر سعادة حسين بن علي الهلالي المدعي العام …

توقيف مواطن أقدم على اختلاق شائعة عن صدور مرسوم سلطاني

كشف مصدر مسؤول بشرطة عمان السلطانية أنه تم توقيف مواطن أقدم على اختلاق شائعة عن …

الخروصي لشبكة روح القانون: القرار لا دخل له بقرار حظر فتح مكبرات الصوت الخارجية لغير الأذان

شبكة روح القانون – مسقط تبادل مجموعة من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي رسالة مفادها بأن …