حالة إفلاس

يقول المثل العامي المصري الدارج "الخواجة لما يفلِّس يدور في دفاتره القديمة". وقد أصابني ذلك المثل بنوبة تأمل حينما شعرت بالعزوف عن الكتابة في وقت يعيش المصريون أحداثه دون اكتراث بما يحاك لهم ويكتفون بالجري وراء لقمة الخبز وتجاهل الحقائق المصيرية الكبرى. وحينما بحثت في دفاتري القديمة عثرت على هذا المقال القديم وقرأته بعين القارئ – وليس الكاتب – فوجدت أنه يستحق القراءة المتأنية:"تم ماكفي" والزيف الإعلامي اليهوديبقلم: محمد عبداللطيف حجازيhttp://alarabnews.com/alshaab/GIF/08-06-2001/Hegazi.htm
التضليل الإعلامي والزيف اليهودي يبلغ الذروة على غلاف مجلة النيوزويك الأمريكية ، حيث يظهر وجه الشاب "تم (تيموثي) ماكفي Timothy McVeigh" كصورة سلبية سوداء (نيجاتيف) مطبوعا فوقها بالبنط العريض كلمة "الشر". ماكفي هو ذلك الشاب الذي يبلغ من العمر 32 عاما وكان جنديا أمريكيا خاض أهوال حرب العراق. بعد عودته من الحرب ملأ شاحنة بالمتفجرات في 19 أبريل 1995 وقام بنسف المجمع الحكومي الفدرالي الشهير بمدينة أوكلاهوما الأمريكية. انتهت محاكمته بصدور الحكم عليه بالإعدام بحقنة مميتة. طلب ماكفي من القاضي أن يسرع بتنفيذ حكم إعدامه في أقرب فرصة يسمح بها القانون الأمريكي.
الزيف الإعلامي اليهودي يريد أن يحيل الموتى إلى عدم وأن يكون ماكفي رمزا للشر فقط دون أن يتم استنباط الموعظة التي أراد ماكفي – بطريقته الخاصة التي لا نوافقه عليها – أن يوصلها إلى مجتمعه الأمريكي الغافل. لقد فقد ماكفي الثقة في صلاح ذلك المجتمع الذي يكيل بمكيالين فأراد أن يوجه له تلك الرسالة القاسية. مات هؤلاء الأبرياء دون أن تصل الرسالة إلى مجتمع غبي لا يود أن يفهم أو يفكر ، فقد ترك ذلك المجتمع المترهل مهمة التفكير لوسائل الإعلام اليهودية وأعطى عقله راحة.
يفعل الإعلام اليهودي نفس الشيء في تقييمه للشهداء الفلسطينيين الذين يضحون بأنفسهم في بسالة نادرة لكي يقتلوا حفنة من اليهود. ذلك الشاب الشجاع – الذي فجر نفسه مؤخرا بملهى ليلي في تل أبيب – سوف يحظى بلقب "إرهابي terrorist " بوسائل الإعلام اليهودية ، دون أدنى اعتبار لما فعله اليهود بقومه وقتلهم لأطفال أبرياء دون الخامسة عشر من عمرهم الغض. انتزعوا منهم رحيق الحياة بعد أن اتهموهم بممارسة "العنف violence " لأنهم يدافعون بالحجارة عن حريتهم ويريدون تحرير أرضهم المغتصبة من المستوطنات اليهودية.
لقد قال ماكفي أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة بأنه خطط لنسف ذلك المبنى لأنه رمز لقوى الشر الأمريكية الفدرالية التي تقوم بقتل الأبرياء بالجملة. وحينما ظهر ماكفي بالبرنامج التليفزيوني الشهير "60 دقيقة" أبدى عجبه من المفارقة التي تجعل منه بطلا يضعون على صدره النياشين لأنه قام بقتل أبرياء بالعراق لم يسيئوا إليه ، وتعجب من قومه الذين يفرطون في منح صفات الشجاعة والبطولة للطيارين الأمريكيين الذين دكوا البيوت فوق رؤوس سكانها الأبرياء بمدن مثل درزدن وطوكيو وهيروشيما.
وحينما تصم النيوزويك ماكفي بالشر فإنها لا تضع معه في نفس المنزلة مجرمي الحرب من الرؤساء وقادة الجيوش الأمريكيين الذين ضربوا بالقنابل دولا مثل العراق ويوغوسلافيا فأحالوها إلى أنقاض أشد هولا من مبنى أوكلاهوما. إذا أردنا الدقة فإن الشر يقطر من نفوس فظة مثل "جورج بوش" أو اليهودي "كولن باول".
لما سألوا ماكفي عن الضحايا الأبرياء – إذ تسبب في موت 168 قتيلا وإصابة أكثر من 500 بجراح – قال بهدوء تلك " خسائر جانبية collateral injury ". هنا تكمن المفارقة ورسالة ماكفي التي لم يعرها التفاتا ذلك الشعب الأمريكي الغبي. أراد ماكفي أن يقدم لشعبه صدمة قوية ظن أنها قد تهز فيه عقلا أو ضميرا. أراد أن يقول " إذا كان موت هذا العدد الصغير نسبيا من الأبرياء قد سبب كل هذا الألم لذويهم وللشعب الأمريكي فما بالكم تسكتون حينما تعطى صفة الخسائر الجانبية للآلاف المؤلفة من أبناء العراق في حرب لم تكن هناك ضرورة لها سوى حماية المصالح البترولية؟"
حينما تسمع عن أهوال الحرب فإن تصورها مهما كان عميقا أو دقيقا يختلف كثيرا عن أن تعيشها وأن تخوض أحداثها المهولة التي يتم حفرها على ثنايا عقلك ويطفح بها خزان مشاعرك الإنسانية فتصبح رغما عنك شخصا آخر قد فضت بكارته النفسية إلى الأبد ، تطيح به أفكار الاكتئاب والزهد في حياة رآها ترحل بين حشرجة وأنين الموتى من الأبرياء ، وتزهو بألوان براقة لصانعي الحروب من القادة والسياسيين الجبناء الذين يحتمون خلف الجيوش . هذا ما حدث للجندي الأمريكي "تيم ماكفي" ، لم يستطع الهرب من أفكار أهوال حرب العراق التي ساهم فيها بيديه وباتت تطارده في نومه ويقظته فأراد أن يقول شيئا وأن يقوله بنفس القسوة والعنف واللامبالاة ، فيصور لقومه قسوة الحروب ومدى غباء تعبير "الخسائر الجانبية" السخيف الذي يطلقونه على بشر انتزعوا منهم الحياة ، ولا يهمهم أمرهم في شيء لأنهم ببلاد بعيدة عبر البحار وقد يكونون سببا في ارتفاع ثمن بترول السيارة بضعة سنتات.
لقد سفهت النيوزويك اليهودية مفهوم الشر برمزيتها الفجة السخيفة. الشر قابع في كل نفس بشرية يعبر عن نفسه بدرجات ، فالموظف المرتشي المحتمي خلف مكتبه يعطل مصالح الناس عامدا شرير صغير ، والقائد الذي يزيف الانتخابات ويزيف إرادة شعب بأكمله لكي يبقى على كرسي الحكم – ويسكت حينما يلقي زبانيته بالأبرياء في السجون دون وازع من ضمير- هو شرير كبير يدعي عدم معرفته بكل صغيرة وكبيرة تدور بدولته التي اختار هو أن يكون رئيسا لها. أما "تيم ماكفي" فهو جندي شجاع أفقدته الحرب التقييم الصحيح لحياته وحياة الآخرين وأراد الاحتجاج بقوة تعادل قوة السعير المشتعل بضميره فحكموا عليه بالإعدام وجعلت الدعاية الصهيونية الأمريكية منه رمزا للشر ، وهو للخير أقرب ، وإن اختلفنا معه.
Unique Article

About siteadmin

Check Also

سر الصناديق السيادية الضخمة

صهيوني يصافح صهيونيهل يعلم الجميع – بما في ذلك يهود العالم – أن عدو البشرية …

رصاصة في رأس العميل الصهيوني

يبدأ برنامجي اليومي بأن اتجه نحو الكمبيوتر في الصباح آملا أن يكون أول ما يصادفني …

ومن المصريين من كان حمارا

بلحة الكذوب يناقض نفسهنعم ما زال في مصر من السوائم من يظن أن الخير قادم …