التاريخ في سلسلة مقالات – الجزء الخامس والأخير

هذا هو الجزء الخامس والأخير من مجموعة المقالات المنشورة عامي 2002/2001. قامت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 أي بعد حوالي عقد كامل من كتابة هذه المقالات الهامة تاريخيا والتي تكشف الاتجاهات والنوايا الأمريكية والغربية تجاه الوطن العربي. حمارنا المنوفي محمد حسني مبارك ظل رابضا بشرم الشيخ في حماية إسرائيل وجنرالاته الذين كانوا يشترون الوقت ويتظاهرون بالولاء التام للثورة والشعب، فيضحون بين الفينة والفينة بعدد من أفراد عصابة العميل الصهيوني الأمريكي محمد حسني مبارك – ربما بعد استشارته في اختيار كبوش الفداء – على أمل إضعاف المد الثوري بمضي الوقت، لكن ذلك المخطط فشل بفضل الإصرار والوعي من جانب الثوار الشبان . حينما انكشف الأمر تماما وبدأت الصحافة الحرة في التلميح ثم التصريح حسم الجنرالات أمرهم – ربما بعد مشورة أمريكية – وقرروا التضحية بمبارك في سبيل بقائهم. قد يجد القارئ في هذه المقالات بعض المؤشرات لفهم ما يحدث اليوم ولماذا تلكأت مافيا قادة الجيش المصري في تطبيق الأصول الثورية بمحاكمة مبارك بسرعة وكشف دوره في جرائم التعذيب وسفك الدماء ثم إعدامه بميدان التحرير ليكون عبرة لكل سفاح عميل وخائن. ختاما أتمنى ألا تتأخر الموجة الثانية من الثورة المصرية الأصيلة، وهي قائمة لا محالة بفضل الفشل الاقتصادي التام لدولة العسكر والذي تتضح معالمه بسرعة متزايدة. أما العميل الصهيوني الغبي – بلحة بن عرص – الذي يظن أنه في مأمن فإن مصيره سوف يكون الهلاك لا محالة، وسوف يتخلى عنه سادته، حيث أن هذا الحمار العجيب ليس أذكي من صدام حسين أو معمر القذافي أو عمر البشير.
(29)التاريخ في سلسلة مقالاتمن أقوال الصحف العالميةترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي[email protected] تاريخ المقال: 26/07/2002
اهتمت النيويورك تايمز الأمريكية الصهيونية مثل غيرها بحادث القصف الإسرائيلي للبناية التي شملت شقة الشهيد صلاح شهادة بغزة والتي راح ضحيتها حوالي 15 فلسطيني من سكان البناية وما حولها. نشرت الصحيفة الآتي في 23/7/2002 بقلم مراسلها في واشنطون:
(أصدر الرئيس بوش اليوم واحدا من أشد إصدارات لومه لإسرائيل منددا بالهجوم الذي قتل أحد رؤساء حماس فوصف الهجوم بأنه "مسرف في شدته heavy-handed " وعبر عن أسفه "لفقدان الأرواح البريئة".
وقال آري فليشر المتحدث الرئيسي باسم الرئيس " هذا الفعل المسرف في الشدة لا يخدم السلام .. سوف تنقل هذه الرسالة للسلطات الإسرائيلية، وتشعر الولايات المتحدة بالأسف لفقدان الأرواح".
قتل هذا الهجوم الصاروخي صلاح شهادة أحد مؤسسي حماس ورئيس جناحها العسكري وقد قتل أيضا ما لا يقل عن 14 فردا بينهم عدد من الأطفال وأصيب العشرات بجروح.
وقد أكد السيد فليشر أن السيد بوش يظل بصفة عامة من أكبر المؤيدين لإسرائيل وزاد من حدة الانتقاد برفضه أي مقارنة بين ضربة قائد حماس والعمليات الأمريكية في أفغانستان التي أدت إلى موت المدنيين فقال " المقارنة بين الحدثين غير دقيقة لأن العمليات العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة وأدت إلى خسائر في الأرواح البريئة نأسف عليها كثيرا كانت ناتجة عن أخطاء في توجيه المهام أو عدم دقة في تصويب القنابل .. بالمقارنة كان الهجوم الإسرائيلي على الموقع متعمدا وعلى علم بأن نتائجه ستؤدي إلى فقدان الأبرياء."
وعند سؤال السيد فليشر كيف يمكن للإدارة الأمريكية أن تكون على هذا القدر من التأكد من أن إسرائيل كانت على علم بوجود مدنيين بالبناية أجاب بقوله "إن الهدف كان بناية سكنية من شقق".
ردت السفارة الإسرائيلية على ذلك فورا بالدفاع عن العملية فصرح مارك رجيف لوكالة الأسوشييتدبرس متحدثا باسم السفارة بقوله "إن حكومة إسرائيل مثل حكومة الولايات المتحدة تأسف لفقدان أرواح المدنيين الأبرياء ولكن عملنا العسكري ضد واحد من أشد إرهابيي حماس خطورة كان عملا مبررا للدفاع عن النفس.")
مضي المقال إلى مقارنة رد الفعل الأمريكي بما كان يحدث في الماضي من أن الولايات المتحدة كانت تحث الإسرائيليين على ضبط النفس فقط مع تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس. لكن كاتب المقال عاد وأكد أن السيد فليشر قد استدرك مؤكدا أن الرئيس الأمريكي يظل المدافع الرئيسي عن إسرائيل بين دول العالم وعن حقها في الدفاع عن نفسها وكيف أن الخلاف هذه المرة منصب على اختلاف في الرؤية.
خففت الجريدة من الأمر بإضافة توليفة قديمة إلى الخبر عن كيف أن الرئيس الأمريكي قد أعلن في 24 يونية ضرورة استبدال ياسر عرفات حتى يمكن التقدم نحو تحقيق السلام الحقيقي بالمنطقة كهدف أساسي للبيت الأبيض.
وبهذه الطريقة تكون الجريدة قد أوردت الخبر كما لو أن الولايات المتحدة قد شدت أذن إسرائيل برفق وابتسامة لا تؤثر على الصداقة وبطريقة تسمح لقادة العهر العرب بالرقص والتصايح عن اللوم الشديد الذي وجهه راعي السلام الأمريكي إلى إسرائيل وعن "تصريحات الرئيس الأمريكي المتوازنة" إلى غير ذلك من "الاستهبال والاستعباط" الذي تميز به مؤخرا قائد القوادين العرب .. لا بارك الله فيه أو في عهده الأسود الذي زاد طوله عن الاحتمال لأن سيدنا المبجل عزرائيل "مطنشنا".
العمليات الانتقامية الإسرائيلية ناتجة عن خطا كبير تقع فيه فصائل المقاومة الفلسطينية وهو الإعلان عن مسئوليتها عن العمليات المحددة والإفصاح عن شخصية الاستشهاديين في أعقاب تلك العمليات. ذلك يترك المجال مفتوحا للعدو الصهيوني لكي يقوم بأعماله الانتقامية من أسرهم وجيرانهم ومدنهم والتحقق من مصادر الأسلحة والذخائر. يسمح هذا الإعلان لجواسيس العدو بتتبع زملاء الاستشهاديين الذين يعدون العدة لعمليات أخرى. إن الأفضل هو الصمت التام وعدم إعلان المسئولية عن أي عمليات استشهادية، وإذا ما كان الإعلان ضروريا فيكفي التصريح بأن جهة مجهولة قد أعلنت مسئوليتها، مع الاحتياط من أن العدو يستطيع تتبع مصدر أي مكالمة هاتفية وتحديد مكان الهاتف. هذا الأسلوب يترك العدو حائرا ويظل الباب مفتوحا لانطلاق عمليات أخرى من نفس الموقع ونفس التنظيم حتى يستمر إرباك العدو وتشتيت جهوده و الإبقاء على جهله بمكان وزمان العمليات الجديدة لكي تتم بنجاح. هذه السرية تشتت جهد العدو وتحد من العمليات الانتقامية مثل هدم المنازل وتدمير المزارع إذا لم يتبين العدو من أين جاءته الضربة. كما أن التعامل بالإعدام مع من تثبت خيانته وتعاونه مع العدو يجب أن يكون سريعا وبلا رأفة حتى يكون عبرة لغيره.
إذا أردنا معرفة الأطماع الأمريكية الصهيونية في عالمنا المضطرب فليس أسهل من الرجوع إلى ما تثيره الصحافة الصهيونية الأمريكية من إرهاصات. المركز الرئيسي لتلك الصحافة الصهيونية الأمريكية هو النيويورك تايمز والواشنطون بوست. ويبدو أن الإصبع الصهيوني الأمريكي العاجز ما زال تواقا إلى مزيد من الدس في القارة الإفريقية. سأقوم في السطور التالية بترجمة بعض أجزاء مقال مطول لأحد "الخبراء" ويدعى "مايكل أوهانلونMichael O'Hanlon نشرته الواشنطون بوست في 23/7/2002 تحت عنوان "هل يمكن إنهاء تلك الحرب؟" والحديث هنا عن حرب تدور رحاها على أرض الكونغو بعيدا عن مركز التجارة العالمية. يود الكاتب لو أن أمريكا تستطيع مد يد العون الإنسانية كما فعلت بأفغانستان حيث تدك القرى بالقنابل نحو مستقبل أفضل. على العموم لك يا سيدي القارئ أن تخرج باستنتاجاتك الخاصة، فقد خبرت الأسلوب الأمريكي الصهيوني الملتوي الذي يدبر الآن مساعداته الإنسانية لأهل العراق بتمهيد مطارات الأردن لقاذفات القنابل الأمريكية حتى تدك البنية الأساسية للعراق مرة أخرى وتقتل الآلاف من أهل العراق الذين لا يرون أن كل مشاكلهم البيئية والاقتصادية التي خلفها الدك الأمريكي الأول في 1991 وما بعدها لن تحل إلا بدك أمريكي جديد يطيح بما أعاد صدام حسين بناءه. بمثل هذا الخبث والانحطاط الصهيوني الأمريكي يجري الحديث عن مشاكل الكونغو العرقية:
(كانت هناك حربان بهذا العالم منذ عام مضى وكان يبدو أن كلا منهما بلا أمل في الوصول إلى حل. وقد قام بكل من الحربين حوالي نصف دستة أو يزيد من الفرق المتنازعة تجعل التفاوض أقرب إلى الاستحالة. كان التدخل الجبري الخارجي يبدو غير عملي في كلا الحربين فكلاهما كان على أرض عسرة منفرة. وكلاهما كان بمناطق جغرافية نائية بعيدا عن شاشات رادار مخططي السياسة العالميين.
كانت الحربان في أفغانستان والكونغو. وأما في أفغانستان فقد أصبح المستحيل ممكنا، إذ حقق التدخل الغربي تحسنا كبيرا في الاستقرار وتطلعات المستقبل لتلك الدولة رغم القصور والأخطاء. فهل يكون هناك أمل أيضا للكونغو؟ أم أن حربها تظل في تلك الفئة "شديدة الصعوبة".
من الصعب جدا إنهاء الحرب في الكونغو، لكن ترك تلك الدولة لمصيرها أمر مجرد من الرحمة والشفقة بالإضافة إلى خطورته. هناك مجازفة بالسماح لتلك المساحة الواسعة الغنية بالمعادن بأن تهوي إلى المزيد من الفوضى وأن تصبح الملاذ القادم أو مصدر الدخل لتنظيمات إرهابية مثل القاعدة. ليس هناك من سبيل لإحلال السلام الدائم بالكونغو بدون الإرادة والتعاون من الفرق الرئيسية المتصارعة. ولكن يمكن أن يعمل العالم الخارجي الكثير لدفع تلك الفرق نحو التوصل إلى حل.
لقد تسببت حرب الكونغو في موت عشرات الآلاف في الاقتتال منذ منتصف التسعينيات. والأسوأ من ذلك أنها قد أسرعت من الانهيار شبه الكامل للدولة الذي بدأ تحت حكم اللصوصية في عهد الرئيس السابق موبوتو سيسي سيكو Mobutu Sese Seko. لقد ازداد معدل الموت نتيجة لذلك بحوالي نصف المليون كل عام.
حرب الكونغو معقدة لكن معالمها الرئيسية لا تستعصي على الفهم. الرئيس الحالي جوزيف كابيلا Joseph Kabila يحكم الجزء الغربي والجنوبي من البلاد ومعه العاصمة كنشاساKinshasa ، وكان والده لوران Laurent قد استولى على الحكم من نظام المرحوم موبوتو في عام 1997. قبل أن يغتاله أحد حراس القصر في العام الماضي.
توجد مجموعتان رئيسيتان من قوات الثوار، مجموعة يقودها جيان بيير بمبا Jean-Pierre Bemba وتؤيدها أوغندا وهي في معظمها من أتباع موبوتو. أما المجموعة الثانية فتؤيدها رواندا بدافع مشروع جزئيا لأن معظم المتطرفين من الهوتو الذين قاموا بمذابح رواندا في 1994 قد فروا مؤخرا إلى الكونغو، وتخشى حكومة رواندا من أنهم قد يستمرون في عمليات الإبادة ومحاولة الاستيلاء على السلطة في رواندا إن لم يتم كبحهم. أما أهداف رواندا الأقل نبلا فهي مشاركة أوغندا في الاستيلاء على حصة من ثروة الكونغو المعدنية، مثلما تريد قوات الثوار ومؤيدي كنشاسا في زمبابوي وأنجولا.
ماذا يمكن للمجتمع الدولي أن يفعل في مثل هذا الموقف؟ لا يمكن القيام بتدخل عسكري تقوده الولايات المتحدة مثلما حدث في أفغانستان. وبالمثل لا يمكن فرد العضلات في عملية مشابهة لما تم في كوسوفو والبوسنة. أيا من تلك المهمتين يلزمه مائة ألف جندي نظرا لحجم وطبيعة الكونغو.)
يمضي الكاتب إلى اقتراح زيادة أعداد قوات حفظ السلام من Three آلاف إلى 30 ألف بشرط مراعاة اتفاقية سلام لوساكا المبرمة في 1999، حتى يمكن استتباب السلام في هذا الجزء من العالم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا هذا الاهتمام الصهيوني الأمريكي المفاجئ بالكونغو الأفريقي؟ هذه "الدراسات" عن مشاكل العالم "الاستراتيجية" غالبا ما تكون بلسان منتسبين إلى وكالات الاستخبارات أو صهاينة يودون التأثير على صناعة القرار. وفي غمار استرسالهم "الإنساني" تسقط رغما عنهم دلائل عن الدوافع والأسباب والأطماع الحقيقية. من الواضح أن الأطماع الرأسمالية الصناعية الصهيونية الأمريكية تتلمظ رغبة في نهب الثروة المعدنية الهائلة بالكونغو مثلما تلمظت لمد أنابيب البترول عبر أفغانستان. ولا بأس من التلويح بالدوافع الإنسانية النبيلة التي إذا لم تنطلي يكون الملاذ الأخير هو محاربة الإرهاب الذي يبدو أنه ينبت فجأة بالمناطق الحيوية التي تهم الإدارة الأمريكية، وإذا لم يكن ذلك كافيا فلا بأس من محاربة احتمال تخزين أسلحة الدمار الشامل، وإذا ما فشل كل ذلك في الإقناع خلعت أمريكا الصهيونية القناع وتكلمت بلغة التهديد للدفاع عن "المصالح الأمريكية".
لكن الأولويات قد اختلطت وقدرات الإمبراطورية الأمريكية تتناقص بينما تتفاقم مشاكلها الداخلية ويتعقد اقتصادها المنهار بعد أن تسلمت إدارة شركاتها الكبرى أجيال بلا قيم أو أخلاقيات تربت على التلفاز اليهودي الذي يبيح ويستبيح كل شيء فأصبحت موارد تلك الشركات عاجزة عن استيعاب عمليات النصب والسرقة التي استشرت فوصلت مستوي الإدارة المتوسطة، وأصبح المخرج المؤقت للإدارة الأمريكية الآن حرب جديدة تلهي أهل أمريكا وتفرض عليهم الرعب الدائم. ولكن هيهات فالمستنقع الأفغاني يزداد عمقا بعد أن اضطر بلير إلى سحب قواته. القوات التركية أو غيرها من المرتزقة يرغبون المال، ومع استمرار الحرب ومضي الوقت يرتفع سعر المرتزقة مع انخفاض قيمة الدولار الأمريكي وتقل قدرة أمريكا على دفع أجور المرتزقة.
بوش يخطط فوق ذلك للدخول في مخاطرة مع العراق لن يؤيده فيها أحد من الحلفاء القدامى سواء من الأوربيين أو العرب باستثناء العاهل الأردني الذي قد يلقى حتفه على يد حزب الله إذا ما شاءت الإدارة الأمريكية له التورط رغم أنفه في "السماح" للطيران الأمريكي بالتحرك من مطاراته التي يتم الآن إعدادها. تماما مثلما يستعد العاهل المصري لتوريد قوات شرطة مصرية إلى "السلطة الفلسطينية تحت التجديد" بهدف قمع المقاومة الفلسطينية. كلاهما يلعب بالنار والنار تحرق إن لعب بها الصغار.
أما عن الكونغو فأعتقد أن الإمكانيات الصهيونية الأمريكية قد أصبحت أضعف من أن تقوم بمغامرة أخرى. ربما يتم وضع مشروع على الورق. لكن ذلك لو حدث فإن الإمبراطورية الأمريكية قد لا تكون من القوة مستقبلا بحيث تحول حبر الورق إلى حقائق على الأرض الإفريقية التي تصحو من سباتها وسكوتها الطويل على استنزاف ثرواتها.
ورد الخبر التالي بجريدة المساء الحكومية المصرية في 21/7/2002:
(كتب – علي محمدي:يلتقي الرئيس حسني مبارك اليوم مع حماة الأمن والديمقراطية.. يشهد الرئيس حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط الشرطة بأكاديمية مبارك للأمن.. ويقلد أوائل الخريجين أنواط الامتياز.يؤكد حبيب العادلي وزير الداخلية في كلمته خلال الحفل انه لا تهاون مع أي انتهاك للقانون ولا تفريط في حقوق المواطنين.. والتزام الشرطة الثابت بحماية الأمن والاستقرار.)
ليغفر لي القارئ قولي بأنني ضحكت من "شر البلية"، فأنا بعيد عن أرض الكنانة ولست معتادا على مثل هذا الفجر والعهر الصحفي الذي ساد في الآونة الأخيرة. تعبير "حماة الأمن والديمقراطية" فيه من الكذب والنفاق جرعة تفوق احتمالي، لأن أي طفل في مصر يعلم جيدا أن الشرطة المصرية لا تحمي الديمقراطية، وأن مفهومها العام للأمن هو أنه أمن النظام الحاكم في المقام الأول، وقصص تعذيب المواطنين حتى الموت في أقسام الشرطة معروفة وموثقة ومنشورة. وأما قول الحبيب العادلي بأنه "لا تفريط في حقوق المواطنين" فإنه قول كاذب ومخادع ولا علاقة له بحقيقة الانتهاكات التي قامت وتقوم بها قوات الشرطة ضمن غيرها من مؤسسات القمع والكبت المصرية. لن تقوم لنا نحن المصريين قائمة ما لم نكف عن الكذب. فالصحفي الذي يمتدح "حماة الديمقراطية" كاذب لم يرغمه أحد على الكذب والنفاق وإنما تطوع بكذبه من تلقاء نفسه المريضة ليمتدح "حماة الدكتاتورية"، أما وزير الداخلية فإننا نفهم سبب كذبه لأنه أحد دعائم النظام الفاسد الذي يعيش على الكذب. لذلك فإن الصحفي الكاذب يقع عليه وزر أكبر من وزر الوزير الكاذب لأنه لا يصون أمانة القلم الذي يحمله والتي تفرض عليه أن يعري الكذب ويفضحه لا أن يسهم فيه، فإن لم يستطع كان الصمت أضعف الإيمان.
حدثت في الآونة الأخيرة موجات من اغتصاب الفتيات بمدينة سيدني الأسترالية كان من بين القائمين بها صبية من أصل لبناني. حاولت الصحافة اليهودية الأسترالية التركيز على أن العرب يقومون باغتصاب الأستراليات بسبب إجرام متأصل بالعرب والمسلمين وحقد عرقي على الجنس الأبيض. لكن بعض الأصوات المعتدلة نسبيا بدأت تحذر من ذلك الاتجاه. ففي مقال لجريدة صنداي هرالد الاسترالية Sunday Herald بتاريخ 21/7/2002 كتب إيمون دف تحت عنوان "مركز الاغتصاب يقول أن عمليات الاغتصاب الجماعي مشكلة بكل الأجناس":
(حينما فاتت الحافلة إحدى صبايا سيدني افترضت أنها يمكن أن تسير في أمان من مدرستها إلى بيتها، ولكنها بعد دقائق وجدت نفسها وقد جرها أربعة شبان يرتدون حلل الموظفين إلى مبنى مدرسة خال واغتصبوها جميعا.لم يبد من مظهرهم أنهم مسلمون، بل كان مظهرهم يدل على أنهم مثلها من الجنس الأنجلوساكسوني. كانوا وقوفا خارج حانة بحي بيترشام يستمتعون باحتساء مشروب <كحولي> بعد العمل عندما مرت من أمامهم تلك المليحة ذات التاسعة عشر.لقد أثارت مثل تلك الحوادث الأسبوعية انتباه "خدمة الدعم المعنوي لضحايا الاغتصاب" بسيدني إلى الاعتراف بأن الاغتصاب الجماعي من المسلمين ليس إلا جزءا من مشكلة أكبر قد "اتسعت وأصبح التحكم فيها صعبا".قالت كارن ويليس مديرة "مركز أزمات الاغتصاب" إن النساء قد دفعن دفعا إلى الاعتقاد بأنهن في مأمن طالما ابتعدن عن طريق رجال الشرق الأوسط، لكن الحقيقة المرة هي أن مثل تلك الجرائم المرعبة يرتكبها ضد النساء بعض الشبان الذين يجتمعون بعد مباريات الكرة والكريكيت وركوب الأمواج browsing وحفلات نهاية الأسبوع."أنكرت السيدة ويليس أن الرجال المسلمين يرتكبون تلك الجرائم بدافع عرقي فقط وقالت "إن لدى خدمتنا الدليل على أن الصبية اللبنانيين يرتكبون مثل تلك الجرائم ضد نساء منهم. لقد تلقت نسوة منهم خدماتنا الإرشادية ولا يمكن لهن الشكوى على الملأ بسبب خلفيتهن الإسلامية والأمور المتعلقة بعذرية العروس المسلمة.")
لعلك قد لاحظت يا سيدي القارئ أن الكاتب اليهودي والسيدة ويليس – وهي يهودية أيضا – في محاولة تبرئتهما للمسلمين واللبنانيين من تهمة التخصص في عمليات الاغتصاب الجماعي قد أطلقا تعبيرات تأخذ طريقها إلى ذلك المخزن الجانبي بالعقل الباطن. استخدام تعبير مثل عمليات الاغتصاب الجماعي من المسلمين Moslem gang-rape أيا كان الهدف من استخدامه يترك أثرا في العقل الباطن مؤداه أن هناك نوع تخصصي من عمليات الاغتصاب خاص بالمسلمين دون سواهم .. صحيح أنهم ليسوا وحدهم لكنهم موجودون كجهة تخصصية. أما التعبير اللئيم الآخر فهو الربط بين الاغتصاب وكلمات مثل لبناني ومسلم وشرق أوسطي في سياق الحديث فترتبط في ذهن القارئ الغربي تلك الصفة القوية "مغتصب" مع كل الصفات الأخرى كل على حدة. أي "مسلم مغتصب" و "شرق أوسطي المظهر مغتصب" و "لبناني مغتصب". هذا هو الأسلوب اليهودي الخبيث في بث تأثيره الإعلامي. وطبعا قامت محطات التلفزة اليهودية بدورها في بث ما تم بشأن "قضية الاغتصاب الإسلامية اللبنانية الشرق أوسطية".
تحت عنوان " انخفاض الثقة في الدولار" كتب دمتري دوكوشايف Dmitry Dokuchayevفي موسكو نيوز Moscow Information الروسية بتاريخ 24/7/2002:
(يختار الروس لأول مرة منذ 10 سنوات ما بين الدولار واليورو كعملة لمدخراتهم. وأصبح الناس يتساءلون هذه الأيام: هل يبيعون الدولار ويشترون اليورو؟ هذا السؤال لا يقلق دائرة الأغنياء الضيقة فحسب، وإنما يقلق الطبقة المتوسطة أيضا بل والكثيرين ممن هم على حواف الفقر.
يفضل أغلبية الروس القادرين على ادخار ولو بعض المال الاحتفاظ بمدخراتهم بالعملة الأمريكية. فقد لمسوا بأنفسهم على مدى العقد الماضي أن قيمة الدولار ترتفع ضد الروبل مهما حدث داخل هذه البلاد أو بأي مكان بالعالم الخارجي.
أما الآن ولأول مرة خلال العشر سنوات الماضية فإن الدولار ينخفض بطول البلاد وعرضها في مواجهة جادة مع اليورو الذي ازدادت قوته باطراد على مدى الشهرين الماضيين. يقول أوليج كوزنتسوف Oleg Kuznetsov رئيس الخدمة التحليلية لتبادل العملة بين البنوك بموسكو Moscow Interbank Forex Trade (MICEX) أن الدولار قد فقد 5.4% من قيمته ضد اليورو في شهر يونية فقط. كان السبب هو ظواهر الأزمة بالاقتصاد الأمريكي نتيجة للفضائح المحيطة ببعض الشركات الكبرى.
السبب الثاني هو أن أمريكا تمر بفترة عجز بالميزان التجاري مع انخفاض بأسعار البورصة وهروب لرأس المال خارج البلاد. ويتنبأ البليونير جورج سوروس George Soros بأن الدولار سوف ينزلق بنسبة 30% ضد العملات العالمية الرئيسية.
تتم رؤية أوربا في ضوء التغير في أسعار العملات على أنها أكثر ثباتا ورخاء من أمريكا، وهذا من شأنه التأثير على سعر العملتين.
وعلى ذكر ذلك فإن التغيرات المالية العالمية لا يظهر أثرها دائما في عالم المال بروسيا، فكم من مرة نال الدولار ضربات قاسية في أماكن أخرى من العالم بينما استمر سعره في الارتفاع ضد الروبل. يحدث الآن مثل ذلك، وإن كانت المؤسسات المالية الروسية هذه المرة على علم واهتمام باتجاه اليورو إلى الارتفاع. كانت أسعار مكاتب تغيير العملة المعلنة بموسكو في أواخر الربيع توضح أن سعر الدولار يزيد عن سعر اليورو بحوالي 2-Three روبل أما الآن فإن السعر متساو وإن كانت لافتات بعض مكاتب موسكو تبين أن سعر اليورو يزيد عن سعر الدولار وإن كان ذلك بفارق ضئيل لا يتعدى ا أو 2 كوبك. هذا يعني أن البنوك الروسية التي تملك مكاتب استبدال العملة ليس لديها أية حواجز نفسية تمنعها من بيع اليورو بسعر يزيد عن سعر الدولار.يقول أوليج كوزنيتسوف أن العامل الموسمي أيضا في صالح اليورو، فهذا هو أول صيف يستطيع فيه أبناء الطبقة المتوسطة الروس شراء اليورو هنا قبيل سفرهم للعطلة بأوربا. كانوا يحملون معهم في الماضي دولارات إلى المصايف الأوربية ليقوموا بتغييرها إلى اليورو بعد وصولهم. أما الآن فإنهم يستطيعون استبدال الروبل باليورو بأقرب مكتب لاستبدال العملات قبيل رحيلهم إلى أوربا. وقد فضل الكثيرون منهم ذلك، فكان سببا في ارتفاع سعر اليورو ضد الدولار.
دعنا نعود إلى الموضوع الرئيسي وهو إذا ما كان لديك بعض المدخرات فما هي العملة التي تضعها فيها؟ ينصح أليكسي مامنتوف Alexei Mamontov رئيس جمعية العملات الدولية بموسكو بأن نحذو حذو البنك المركزي. لدى البنك احتياطي من الذهب والعملات الأجنبية يساوي حوالي 42 بليون دولار. كان المعتاد تقليديا أن يكون الاحتياطي في صورة معادن ثمينة وضمانات ودولارات وقد اتجه البنك المركزي مؤخرا إلى تنويع الاحتياطي مستثمرا 10% منه في اليورو.)
يستمر المقال بإسداء النصح للمدخر الروسي بتقسيم مدخراته إلى ثلاثة أقسام متساوية بين اليورو والدولار والروبل، وهذا أمر يهم المستثمر الروسي. ما يهمنا هنا هو أننا قد تنبأنا على هذه الصفحات – والعلم لعالم الغيب والشهادة وحده – بأن الدولار الأمريكي سوف ينهار إن عاجلا أو آجلا. هذا التنبؤ ليس من قبيل التمني وإنما قد بني على الواقع الأمريكي والقوة المصطنعة للدولار الأمريكي الذي حظي بثقة عالمية لا تستند إلى أسس اقتصادية سليمة من القدرة الحقيقية للسلع والخدمات الأمريكية في أي وقت من الأوقات خلال العقد الماضي. هذا القصور سيزيد من سرعة كشفه عاملان أساسيان:أولا: الضعف الأمريكي الناجم عن تهور الإدارة الأمريكية الخرقاء وزيادة الإنفاق العسكري والانهيار الذي أصاب سوق المال والتجارة الأمريكية.ثانيا: قوة اليورو التي يرفع منها إجراءات التعاون بين دول المجموعة الأوربية والانتعاش الاقتصادي الأوربي على حساب التردي الأمريكي.
على أي حال يا سيدي القارئ إذا كنت مثلي بلا مدخرات فإنك بعيد كل البعد عن تلك المشكلة ولك أن تنام ملء جفنيك دون خوف على قيمة دولاراتك. إذا كنت والحال كذلك فشاركني الدعاء بأن يزيد رب العباد من معدل سرعة قدوم هذا الانهيار الأمريكي القادم لا محالة. أما إذا كان الله قد فاء عليك من خيره فنصيحتي لك هي أن تسرع بحماية مدخراتك بتحويلها كلها إلى اليورو، أو تبرع بها لي أحمل عنك همها!
(30)التاريخ في سلسلة مقالاتمن أقوال الصحف العالميةترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي[email protected] تاريخ المقال: 02/08/2002
كتب مراسل الإندبندنت في دبلن بأيرلندا في 27/7/2002 خبرا تحت عنوان "موظف مساعد بالسفارة < الإسرائيلية > يوقف عن العمل لانتقاده الضربة الجوية < في غزة >. يقول الخبر:
(قالت السفارة الإسرائيلية في دبلن بالأمس أنها ستفصل موظفة صحفية كتبت خطابا للجرائد الأيرلندية يدين قصف القوات الجوية الإسرائيلية لقطاع غزة هذا الأسبوع.
كتبت الدكتورة نورين أوكارول Dr Noreen O'Carroll – وهي مواطنة أيرلندية< يهودية> تعمل بالسفارة – خطابا نشر في عدد الأمس من جريدة أيريش تايمز Irish Instances الأيرلندية تقول فيه "يفيض قلبي بالحزن لهذا الحادث مثلما يفيض عند كل هجوم على مواطن إسرائيلي .. إن قصفا صاروخيا لبناية سكنية بعد منتصف الليل بينما الأطفال والكبار نيام بفراشهم لا يرقى تبريره عن تبرير هجمة انتحارية <من فلسطيني> إنني مستاءة وأشعر بالعار من الحكومة الإسرائيلية الحالية لأنها تجيز هذه العملية وغيرها من العمليات المشابهة .. يروعني ويشعرني بالعار أيضا رد الفعل متحجر القلب من رئيس الوزراء آريل شارون الذي صرح بأن الضربة من أعظم عملياتنا الناجحة. أليس له قلب أو أي شعور أخلاقي؟" واختتمت الخطاب بقولها "هناك اختلاف وتنوع واسع للرأي داخل المؤسسة السياسية بالمجتمع المدني الإسرائيلي حول سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، وأود أن أسجل هنا أن مثل هذا التفارق واختلاف الرأي يمتد ليشمل الموظفين المحليين بالسفارات الإسرائيلية." وفي نسخة أخرى من خطابها نشرتها الجريدة المنافسة أيريش إجزامينرIrish Examiner أشارت الكاتبة إلى قول الكاتب اليهودي الإيطالي بريمو ليفي Primo Levi- أحد الناجين من الهولوكوست – الذي قال عن مثل تلك الأمور أن "السكوت تواطؤ". وقعت الدكتورة أوكارول على الخطابين بصفتها "موظف صحفيpress officer بسفارة إسرائيل في دبلن . صرح بوز ردكن Boaz Rodkin القائم بأعمال السفارة < الإسرائيلية > بدبلن يوم أمس بأن الدكتورة أوكارول قد أوقفت عن العمل وأن إجراء آخر بشأنها سيتم اتخاذه بعد التشاور مع وزارة الخارجية الإسرائيلية. وقال أن الأمر في النهاية يعني أنها لن تستطيع العودة للعمل، وأضاف "لا يمكن أن يتوقع أحد في كامل قواه العقلية أن تبقي مؤسسة ما على موظف صحفي يتكلم ضدها. إن ما فعلته أمر خارج عن المألوف.)
لهذا الخبر دلالات كثيرة أولها هو شجاعة الكاتبة اليهودية التي كانت تعلم تماما أنها سوف تفقد وظيفتها. ربما أن هذه الشجاعة ليست من أجل سواد عيون الفلسطينيين وإنما حرصا على سمعة الدولة العبرية ومستقبلها الذي يزداد سوادا ويثير قلق الأذكياء من اليهود. وبعيدا عن كل ذلك يراودني سؤال: ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن تلك الكاتبة كانت مواطنة صهيونية في قلب الكيان الصهيوني ونشرت خطابها إحدى صحف تل أبيب حيث تقول في شارون ما قال مالك في الخمر؟ السؤال التالي: ماذا يمكن أن يحدث لمواطن مصري بسيط مثلي لو كان يعيش في مملكة عجل أبيس وتوجه بانتقاد بسيط للبعير البارك؟ هذا هو الفارق العجيب الذي يجعل أعداء البشرية يتباهون بمقولة لا ينقصها الصدق عن أنهم "الديمقراطية الوحيدة بالشرق الأوسط". لعن الله المصريين من أعداء الشعب المصري .. هؤلاء الذين جعلوا من مصر العريقة – الضاربة في أعماق التاريخ والحضارة – مثلا لا يحتذى ومرتعا للفساد والأذى.
الواشنطون بوست جريدة أمريكية صهيونية لا يمكن كقاعدة عامة أن تبيت خيرا للعرب أو المسلمين وقد نشرت مقالا بتاريخ 28/7/2002 لمراسلة باسم منى الطحاوي، قالت الجريدة أنها كانت تعمل سابقا في "الشرق الأوسط" وأغلب الأمر أن المقصود بالشرق الأوسط هو ذلك الجزء المسمى مصر. المقال بعنوان "الاغتصاب كعقوبة"، سأترجمه كما هو كاملا نظرا لما يثيره من مشكلات اجتماعية عن التقاليد ببعض البلاد التي تضرب حضارتها وعاداتها في القدم:
(أصدر مجلس إحدى القبائل في باكستان حكما مرعبا في الشهر الماضي على امرأة شابة بأن يقوم عدد من الرجال باغتصابها جماعيا. كان ذلك أبشع الممارسات التي تتم باسم ما يسمى بالشرف، فتحت هذا المسمى الذي يصعب تحديد مفهومه يمكن أن تضرب المرأة بالرصاص أو أن يقطع رأسها أو أن تحرق أو أن ترجم أو أن تضرب أو – في حالة "سليمة" – أن يتم اغتصابها.
قام أربعة رجال باغتصاب سليمة – وهذا ليس اسمها الحقيقي – لمدة تزيد عن الساعة لتدمير شرفها انتقاما لشرف امرأة أخرى. كان لسليمة أخ يبلغ من العمر 12 عاما وجدوه بصحبة امرأة أخرى من عائلة أكثر قوة بالقبيلة ويبدو أن ذلك لم يكن باختياره، وقد تم اتهامه جزافا بأنه قد اختلى بها. من هنا جاء حكم مجلس القبيلة على أخته.
تقدر وكالة حقوق الإنسان الباكستانية عدد حالات الاغتصاب المبلغ عنها يوميا بما لا يقل عن ثمان نسوة خمسة منهن من الصغار، وتصل حالات الاغتصاب الجماعي بتلك الحالات إلى ما يزيد عن الثلثين. كثيرا ما يستخدم الاغتصاب في باكستان للعقاب أو الثأر من عدو، فيتم "تلويث" المرأة لإلحاق العار بعائلتها. أي سخرية تلك التي تجعل امرأة لا حول لها مثل سليمة تحمل على كتفيها شرف العائلة وهو لا شك حمل ثقيل.
إنه عبء تحمله النساء في عدد لا حصر له من الدول الإسلامية، ومع ذلك فإنه لا توجد بالقرآن كلمة واحدة تدعو إلى القتل باسم الشرف. دعامة الشرف – في تلك المجتمعات التي ينتشر بها هذا النوع من القتل – هي العذرية قبل الزواج والعفة من بعده.
إن مجرد الشك في أن المرأة قد عرضت هذا الشرف للخطر قد يعرضها لحكم بالإعدام .. الحديث مع جار .. أو رؤيتها مع رجل غريب .. أو مجرد طلبها الطلاق. < إلى هذا الحد تصل مبالغة الكاتبة> يقوم بعض رجال الدين المتحفظين دون خجل بمؤازرة القتل في سبيل الشرف. ويقومون باتهام الناشطين – الذين يناضلون من أجل القضاء على تلك الجرائم معرضين حياتهم للخطر – بمحاولة فرض القيم الغربية على مجتمعاتهم التقليدية. فماذا هو غربي في تلك الرغبة في القضاء على عادة بربرية متأصلة، تكون المرأة فيها ملعونة شاءت أم أبت؟
حدث باليمن منذ بضعة سنوات أن رجلا أطلق النار على ابنته فأرداها في ليلة عرسها بعد أن ادعى زوجها أنها لم تكن عذراء. وعندما ألحت الأم في أن يتم إجراء الكشف الطبي على جثة ابنتها الشابة اتضح أنها كانت عذراء وأن الزوج كان كاذبا يغطي على عجزه الجنسي لأنه كان يعلم أنه سوف يفشل في أن يقوم بعرض خرقة عليها دم عذرية عروسه.
تقول إحصائيات صندوق الأمم المتحدة للطفولة United Nations Youngsters’s Fund (UNICEF) ومنظمة العفو الدولية Amnesty Worldwide أن باكستان شهدت أكثر من ألف حالة قتل من أجل الشرف في عام 1999 وكان باليمن في عام 1997 ما يصل إلى 400 حالة. تقول الأمم المتحدة أن مثل تلك الحالات قد حدثت أيضا في بريطانيا والنرويج وإيطاليا والبرازيل وبيرو وفنزويلا وكانت هناك على الأقل حالة واحدة تم الإبلاغ عنها بالولايات المتحدة.
كانت هناك حادثة قتل بعينها تركتنا بشاعتها في ذهول إبان عملي بغرفة الأنباء بالقاهرة. حدث أن شابة اسمها نوره أحمد هربت من أهلها بقصد الزواج من رجل لم يوافق عليه والدها، وعند عودتها للقاهرة في محاولة لإقناع والدها بتغيير رأيه طلب الحديث معها على انفراد ثم قطع رأسها وطاف به في أحد شوارع القاهرة هاتفا "الآن استعادت عائلتي شرفها".
تم الإبلاغ في عام 1997 عن حوالي 52 حالة قتل من أجل الشرف. ربما كانت الأرقام الحقيقية أكثر من ذلك بكثير في جميع البلدان التي ذكرتها لأن معظم حالات القتل من أجل الشرف لا يتم الإبلاغ عنها.
ما ذا يمكن عمله إذا ما تعمد رجال الدين الصمت عن عادة قديمة ترسخها التقاليد العتيقة وليس الدين؟ ماذا يمكن عمله إذا ما كان الرجال – في حالات قتل قريبات لهم من أجل الشرف – يفلتون من العقوبة أو ينالون أحكاما قصيرة لدرجة شنيعة؟ يجب هنا أن نذكر القلة من الشجعان الذين يتكلمون في العلن، ففي خطبة الجمعة بإحدى القرى أدان إمام المسجد اغتصاب سليمة بشدة، مما لفت انتباه الصحافة حيث يكون الإحراج سلاحا فعالا، ففي حالة سليمة دفع الاستنكار المحلي والدولي بالسلطات الباكستانية إلى القبض على المغتصبين الأربعة المشتبه فيهم وتم توجيه الاتهام إليهم، وقد اعتقل أيضا عدد آخر من المشتبه في ضلوعهم في الأمر عن طريق فشلهم في منع ذلك الاعتداء أو بإخفاء المشتبه فيهم، وكان من بين المقبوض عليهم ضابط شرطة.
تعد الأختين أسماء جيهانجر وهينا جيلاني من أشجع الناشطين المناهضين للقتل من أجل الشرف، وكلاهما تعمل بالمحاماة ومن الناشطات في مجال حقوق الإنسان والبارزات دون كلل في النداء بحقوق المرأة رغم التهديد بالموت والحكومة غير المتعاطفة.
فلنحرج تلك الحكومة ولندفعها إلى إدانة المزيد من هؤلاء الذين يقتلون باسم الشرف. فلنكللها بالعار حتى ندفعها إلى العمل الشريف.)
لا جدال في أهمية القضية التي أثارتها الكاتبة لكن توقيت إثارتها يظل محل بحث وشك. فرغم أنها تفصل الدين عن تلك العادات القبلية الممجوجة إلا أن هذا الفصل يضيع وسط الضوضاء المحيطة بالمجتمعات الغربية، في ذلك الجو الذي نعيش فيه من الهجوم المكثف لوسائل الإعلام اليهودية على الإسلام وإقرانه بالإرهاب. نحن المسلمين في بلاد الغرب الآن "نمشي جنب الحيط" ولا نحاول إثارة مثل تلك الشوشرة في هذا الوقت العصيب. الكاتبة – شأنها شأن بعض المستغربين من المهاجرين – تحاول أن تكون أكثر غربية من أهل الغرب، أو كما يقول المثل الإنجليزي "أكثر ملكية من الملك"، فهي تعاني من حالة "انفصام عرقي" يصيب بعض المهاجرين الذين يخطئون الحساب ويظنون أن المجتمع الغربي سيتقبلهم إذا خلعوا جلودهم ونسوا أو تناسوا أنهم يظلون أغرابا في نظر تلك المجتمعات مهما حاولوا، فهي تتكلم من موقف المتفرج وليس من منظور من عاش ومارس وكان جزءا من هذا النسيج الاجتماعي المعقد. نحن لا ننادي بدفن الرؤوس في الرمال ولا ننكر أننا في حاجة ماسة إلى إصلاح الكثير من أوضاعنا الاجتماعية والبيئية، بل نحن في حاجة إلى "عمرة عمومية" في جميع المجالات تبدأ بالإصلاح السياسي والخلاص من جهل الحكام، لكن الأمر يحتاج إلى الحكمة والموعظة الحسنة وليس الرقص على أنغام غربية بجريدة صهيونية تقطر صفحاتها الأخرى بالحقد والكذب والزيف عن الإسلام والمسلمين.
نشرت الأوبزرفر The Observer البريطانية مقالا لكاتبها نيك كوهين Nick Cohenفي 28/7/2002 بعنوان "آخر ما تريده الولايات المتحدة هو الديمقراطية في العراق" يقول فيه:
(رغم أن الجميع يصطفون مع حرب على العراق أو ضد تلك الحرب إلا أن القليلين هم الذين يسألون عن سبب لتلك الحرب. نحن نعلم أنها ضد دكتاتورية صدام حسين، ولكن ما هو البديل الذي سيحارب من أجله الأمريكيون ومساعديهم من البريطانيين؟ من المستحيل معرفة ذلك على وجه اليقين ولكن التقارير القادمة من واشنطون تقترح أن بوش يريد طاغية آخر وأن بلير سيوافقه على ذلك. أما البديل لذلك فهو المؤتمر الوطني العراقي Iraqi Nationwide Congress وهو تحالف مفكك من عدة فصائل وإن كانت له ميزة التمسك بالديمقراطية رغم كل عيوبه. لكن وزارة الدولة والمخابرات المركزية تكرهه لأنه يقدم نموذجا سيئا لشعب السعودية المكبوت. لقد خفت تلك الكراهية قليلا، فقد وافقت وزارة الدولة على عقد لقاء مع المؤتمر في 9 أغسطس وعلينا أن ننتظر لنرى ما سيحدث، وإن كان المنفيون خارج العراق يعتقدون أن لدى المخابرات المركزية الأمريكية قائمة من 15 جنرالا ترضى عنهم لكي يتم اختيار واحد منهم قائدا جديدا.
المرشح الرئيسي للمنصب هو الجنرال نزار الخزرجي رئيس الأركان في مرحلة غزو العراق للكويت وأعلى العسكريين المنشقين رتبة. وهو يعيش بمنفاه في كوبنهاجن ولم يكن لديه ما يخشاه سوى فرق الاغتيال التابعة لصدام حسين إلى أن رآه أحد اللاجئين الأكراد على الطريق. ففي مشهد يشبه أفلام السينما صاح اللاجئ بأن ذاك هو الرجل الذي سوى قريته بالأرض. وتقوم وزارة العدل الدنماركية اليوم بالتحقيق في تهمة ضلوع الخزرجي حتى أذنيه في عملية "الأنفال" لعام 1988 والتي سميت باسم جزء منشرح من القرآن عن مغانم الحرب، حيث طردت أعداد غير معروفة من الأكراد من بيوتها ومات عشرات الآلاف بمعسكرات الاعتقال. أنكر الخزرجي التهم المنسوبة إليه، بينما يعمل الكثيرون من القادة الأكراد وفق منظومة "عدو عدوي" ولا تعنيهم أفعاله في الماضي على الإطلاق.
إذا ما كانت الولايات المتحدة تريد رجلا عسكريا قويا فإنها ستجد جنرالا يمكن أن تقوم ضده اتهامات صحيحة عن ضلوعه في جرائم حرب. أما البديل الآخر فهو دولة عراقية فدرالية ديمقراطية تعطي حقوقا للأكراد والشيعة – الذين يقاسون حاليا من النظام العنصري للأقلية السنية الحاكمة – وتضع العسكريين تحت السيطرة المدنية.
يقول المؤتمر القومي العراقي < تجمع من المنشقين على صدام حسين الذين هربوا خارج البلاد وتجهزهم الولايات المتحدة لأغراضها> أنه لم يسمع صوتا يؤيد حلمه الديمقراطي من داوننج ستريت <;مقر رئيس الوزارة البريطانية> أو من وزارة الخارجية، بل إن البريطانيين أشد من الأمريكيين في تأييدهم المتعصب للظلم اللانهائي <إشارة إلى عملية "العدل اللانهائي" التي خرج بها بوش لمقاومة الإرهاب> في الخليج.)
هذه شهادة من كاتب إنجليزي يهودي على وزن "وشهد شاهد من أهلها" توضح كيف يفكر الحلف الصهيوني الأمريكي البريطاني وكيف يبيتون النية لضرب العراق تمهيدا لضربنا جميعا فرادى، بينما يصطف الخونة العملاء من القوادين العرب مستميتين في دفاعهم عن عروشهم بالتمسك الأعمى بالتبعية الأمريكية. هاهي ذي أمريكا الصهيونية وتابعها البريطاني يعلنان بوضوح عن عزمهما ضرب العراق مهما كانت النتائج، فماذا يقول القوادون العرب اليوم؟
الاستهتار الأمريكي بأرواح غير الأمريكيين يتضح بجلاء في تقرير نشرته التايمز The Instances اللندنية في 29/7/2002 في تقرير لمراسلها في كابول تحت عنوان "الولايات المتحدة متهمة بالتغطية على الضربة الجوية < في أفغانستان >". يحكي التقرير كيف أن تقريرا مبدئيا للأمم المتحدة لم يجد أي دليل يؤيد قصة الولايات المتحدة القائلة بأن طائراتها تعرضت للنيران الأرضية، وكيف أن هناك تناقضا بين مختلف القصص الأمريكية عما حدث بخصوص الضرب الأمريكي لقرية كاكاراك حيث كان حفل الزفاف الذي مات به ما يزيد عن 50 من الأفغان المدنيين. يقول التقرير الصحفي في بعض أجزائه:
(إذا ما تأكدت نتائج التحقيق المبدئي في تقرير ثان للأمم المتحدة – يكون أكثر تفصيلا – فإن ذلك يسبب للبنتاجون حرجا شديدا. تقول مصادر الأمم المتحدة أن نتائج التحقيق تشير إلى محاولة أمريكية للتغطية على ما حدث وأن التحقيقات الأمريكية تسير ببطء أملا في أن يمر الأمر بهدوء.)
(قال الرسميون بالبنتاجون أن الكاميرات المثبتة بأبراج مدافع الطائرات AC130 قد بينت قصفا من الأرض لكن البنتاجون لم يظهر الأفلام كما فعل في حالات مماثلة، مما يمنع تحليلا محايدا لتلك الأفلام يوضح ما إذا كانت تلك النيران لمدفعية مضادة للطائرات أم من بنادق احتفال بعرس. رفض البنتاجون التعليق على تقرير الأمم المتحدة قائلا أن التحقيق في كل ما يتعلق بذلك الحادث ما زال جاريا بمعرفة القيادة المركزية الأمريكية وأن احتمال توجيه الاتهام للعسكريين في هذا الحادث لم يستبعد.
لكن البنتاجون أصر على أن الوقت ما زال مبكرا لوصول الولايات المتحدة إلى أي استنتاجات لأن فريق التحقيق لم يبدأ بعد في كتابة تقريره.)
في سابقة لم نعهدها من قبل وجهت الواشنطون بوست الصهيونية هجوما شديدا على نظام الحكم الدكتاتوري بمصر وعلى الرئيس المصري شخصيا، وهي ظاهرة غريبة يبدو فيها وكأن سعد الدين إبراهيم أهم للأغراض الصهيونية من الرئيس المصري، وتشكل تلك الظاهرة هزة إنذار وتهديد للكرسي لا تبشر بأي خير لطويل العمر. تبدأ دورة حياة أي حشرة بالبيضة ثم اليرقة (الدودة) التي تعزل نفسها وتتقوقع وتتحول إلى عذراء تدعي البراءة من كل فاحشة، ومن تلك العذراء تخرج فراشة تهيم على وجهها طيرانا وتخدعها الأضواء إلى أن تسقط جثة هامدة. ويبدو أن حشرتنا الآن تهز أجنحتها في جنون بين واشنطون والقاهرة فهل تدلها الغريزة إلى أن تلك هي بداية النهاية بعد أن امتصت من رحيق مصر الكفاية؟ كانت افتتاحية 30/7/2002 من الواشنطون بوست تحت عنوان " تحدي السيد مبارك". إليك الترجمة الكاملة مع الاعتذار للرقيب عن ذكر الرئيس المصري بالاسم كما ورد حرفيا وتقضي به أمانة الترجمة:
( استمرت وعود الرئيس بوش – منذ خطبة حالة الاتحاد State of the Union في أوائل العام – بأن جزءا من حرب الولايات المتحدة على الإرهاب سيكون بالعمل الدؤوب على انتشار القيم الديمقراطية بالعالم الإسلامي، ولكنه – باستثناء دعوته إلى إصلاح السلطة الفلسطينية – لم يستكمل ذلك الوعد بالتنفيذ العملي، وخاصة بالبلدان التي تحكمها نظم فردية وينتج منها معظم المتشددين المسلحين من أفراد القاعدة. أما الآن فإن الرئيس حسني مبارك– رئيس مصر وهي واحدة من تلك الدول – قد أعطى للسيد بوش فرصة هامة لكي يثبت أن سياسته أبعد من مجرد الحديث المنمق.
فقد قامت محكمة مصرية بالقاهرة يوم أمس وللمرة الثانية بالحكم بالسجن لسبع سنوات على سعد الدين إبراهيم – أهم داعية للديمقراطية وحقوق الإنسان بمصر – نتيجة لاتهامات تم الترويج والدعاية لها. السيد إبراهيم يبلغ من العمر 63 عاما وهو باحث اجتماعي يحمل الجنسيتين المصرية والأمريكية، وقد قام بشجاعة وبوسائل سلمية لسنوات بالعمل على نشر تلك القيم التي قال السيد بوش بضرورة دعمها بالعالم العربي وهي الانتخابات الحرة والمشاركة المدنية وعدم التفرقة ضد النساء والأقليات الدينية. كان يشرف على معهد ابن خلدون بتمويل متواضع من الاتحاد الأوربي، وقد أنتج المركز بحوثا وثائقية عن اضطهاد الأقلية القبطية المسيحية بمصر، وحث المواطنين على المشاركة في الانتخابات البرلمانية رغم التزوير الهائل الذي يحدث دائما.
هذه الأعمال تعد جرائم طبقا للسيد مبارك ومدعي الاتهام بالدولة. تدعي الدولة أن تقارير السيد إبراهيم عن التفرقة الدينية والتلاعب في الانتخابات تشكل جريمة الإساءة إلى سمعة مصر، وأن قبوله منحا من الاتحاد الأوربي يخالف أحد بنود قانون الطوارئ الذي حكم السيد مبارك مصر به طوال العقدين الماضيين.
لم يكن هناك مفعول للإقرار الذي تقدم به الاتحاد الأوربي شاهدا بأن السيد إبراهيم قد استخدم المنح المقدمة من الاتحاد بأسلوب سليم. ويبدو أيضا أنه لم تكن هناك نتيجة للتصريحات المتكررة لوزارة الدولة < الأمريكية > التي انتقدت اتهام السيد إبراهيم. ربما كان ذلك لأن السيد مبارك ليس مستعدا للصفح عن الجريمة الكبرى للسيد إبراهيم وهي أنه نشر مقالا قبيل القبض عليه منذ عامين يلفت الانتباه إلى حقيقة هي أن الدكتاتور المصري يجهز ابنه لكي يخلفه.
يعتمد حسني مبارك أكثر من أي حاكم سواه بالعالم الإسلامي على الدعم الأمريكي ليسند نظاما مفلسا سياسيا واقتصاديا. ومع ذلك فإن السيد مبارك يتحدى بصورة مباشرة دعوة الرئيس بوش للتحرر بدلا من قبولها. إن سجنه لأستاذ مريض يجمع بين كونه مواطنا أمريكيا وكونه الداعية الرئيسي للإصلاح السلمي ببلاده – في وقت تطفح فيه وسائل الإعلام الحكومية بالكراهية المعادية لأمريكا والمعادية للسامية – لا يمكن رؤيته إلا كصفعة محسوبة للإدارة الأمريكية والكونجرس الذي يدعم حكومته بمساعدات تزيد عن 2 بليون دولار من المعونة السنوية.
قال السيد بوش في خطابه في وست بوينت West Pointأن "القرن العشرين قد انتهى بنموذج واحد باق للتقدم الإنساني، قد بني على مطلب لا تفريط فيه هو كرامة البشر"، وقال أن أمريكا "لا يمكن أن تفرض هذه الرؤية، ولكننا نستطيع أن ندعم وأن نكافئ الحكومات التي تتبع الخيارات الصحيحة .. سوف تشجع الولايات المتحدة الاعتدال والاحتمال وحقوق الإنسان بمعوناتنا للتنمية وجهودنا الدبلوماسية وإذاعاتنا العالمية ومساعداتنا التعليمية." لقد حدث في مصر بالأمس أن رجلا – عمل دون كلل على نشر الاعتدال والاحتمال وحقوق الإنسان – قد أودعه السجن نظام يأخذ دائما بالخيارات الخاطئة، ومع ذلك فإن الولايات المتحدة تدعمه وتكافؤه أكثر من أي نظام آخر بالعالم العربي. فهل سيتجاهل السيد بوش هذا التحدي؟ أم أنه سوف يغير سياسة إدارته الخاصة "بمعونات التنمية والجهود الدبلوماسية والإذاعات العالمية والمساعدات التعليمية" لمصر بحيث تماثل سياسته التي أعلنها. إن الخطر هنا لا يتهدد فقط معيشة رجل شجاع واحد وإنما ينال التهديد من مصداقية سياسة الرئيس بوش تجاه العالم الإسلامي.)
هكذا تكشر الصهيونية الأمريكية عن أنيابها. فالواشنطون بوست هي لسان حال مطبخ السياسة الصهيونية الأمريكية ورسالتها هنا واضحة ومباشرة: "ضع نفسك في حجم التابع الصغير .. ماذا وإلا .. نحن ندفع ونعطي التعليمات وعليك أن تنفذ". العلاقة بسيطة وواضحة، فمن اختار الانحناء عليه أن يقبل لعق الحذاء. المشكلة هي أن المسكين ليس لديه أي قاعدة جماهيرية يرتكز عليها فقد أوغل في البطش والقهر معتمدا على حماية أمريكية ظن أنها أبدية، وحينما تضع أمريكا على رقبته السكين كان الشعب المقهور أول المكبرين. (31)التاريخ في سلسلة مقالاتمن أقوال الصحف العالميةترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي[email protected] تاريخ المقال: 09/08/2002
كانت العناوين السائدة بالجرائد – التي تهم منطقتنا العربية – عن العراق والأحداث الجارية بالكيان الصهيوني في فلسطين. لقد وضع السفاح شارون نفسه في مأزق لن يخرج منه، ولن تفلح مساعدات الخونة من الحكام العرب الذين لا يكفون عن مقابلة الرسميين الإسرائيليين ويلعبون دور الطابور الخامس ضد المقاومة الفلسطينية الباسلة التي أثبتت وجودها وحق الفلسطينيين في الوجود.
كتبت يا سيدي القارئ على هذه الصفحات ألوم المقاومة الفلسطينية الباسلة على إعلان مسئوليتها عن عملياتها وعن إعلان أسماء الشهداء. وقد أراحني بعض الشيء أن المقاومة قد تبنت أسلوبا جديدا بعدم الإدلاء بأسماء الشهداء. ولكن بعض القصور ما زال قائما، فليس من الحكمة الإعلان عن مسئولية حماس أو كتائب عز الدين القسام أو غيرها من فصائل البطولة والشرف عن عمليات بعينها. يجب أن نترك العدو الصهيوني تائها في الظلام الدامس حتى نشتت جهده ونثير الذعر بين صفوفه فلا ينام الليل لأنه لا يعلم من أين تأتيه الضربة القادمة. الصمت أقوى من الإعلان.
أما عن العراق وضرب العراق فإن جورج بوش ما زال يتيه في خيلاء كتلميذ المدرسة الخائب الذي لا يجيد سوى إبراز العضلات التي لا يتوفر ما يعادلها داخل دماغه، ولا يعادله سخفا سوى توني بلير الذي يسير حثيثا نحو قبره السياسي، فالشعب البريطاني ليس هو الشعب الأمريكي الأبله، والصحافة البريطانية قد بلغت من النضج ما تعجز اليوم أمامه أبواق الدعاية الصهيونية. تضع الصحافة على بلير ضغطا يفوق ما يضعه عليه أعضاء البرلمان الإنجليزي. لا يبقى من مؤيدي راعي البقر الأمريكي المجنون سوى ذلك القزم الغبي المدعو جون هوارد لدينا هنا باستراليا، والذي تطوع بالإعلان دون مناسبة عن استعداده لإرسال جنود أستراليين للمساعدة في غزو العراق ركوبا على حصان طرواده المسمى "محاربة الإرهاب". كانت النتيجة أن العراق سيمتنع عن شراء القمح الأسترالي بينما تحارب أمريكا المزارع الأسترالي في شتى المجالات.
كتب جورج مونبيوت George Monbiot بالجارديان The Guardian البريطانية بتاريخ 6/8/2002 مقالا بعنوان "منطق الإمبراطورية" تصدرته العبارة "أصبحت الولايات المتحدة اليوم خطرا على باقي العالم وبالتالي فإن الرد الحكيم يكون بعدم التعاون معها." إليك الترجمة الكاملة للمقال:
(هناك ما يشبه الهزل في مسألة احتمال قيام جورج بوش بشن الحرب على دولة أخرى لأن تلك الدولة قد تحدت القانون الدولي، فقد قامت حكومة الولايات المتحدة – منذ مجيء جورج بوش إلى الحكم – بتمزيق عدد من المعاهدات الدولية وتجاهلت عددا من اتفاقيات الأمم المتحدة يفوق في مجموعه كل تجاوزات بقية دول العالم مجتمعة لعشرين عام.
لقد قامت بإبطال اتفاقية الأسلحة البيولوجية بينما تجري هي تجاربها على أسلحتها البيولوجية بصورة غير مشروعة، ورفضت السماح لمفتشي الأسلحة الكيماوية بالوصول إلى معاملها، ودمرت محاولات بدء التفتيش على الأسلحة الكيماوية بالعراق. ومزقت معاهدة منع انتشار الصواريخ، وتبدو مستعدة لخرق معاهدة وقف التجارب النووية، وسمحت لفرق الاغتيال التابعة للمخابرات المركزية بأن تبدأ عملياتها السرية من جديد، وهي تلك العمليات التي شملت في الماضي اغتيال رؤساء الدول الأجنبية. وخربت معاهدة الأسلحة الصغيرة، ودمرت المحكمة الجنائية الدولية، ورفضت التوقيع على بروتوكول التغيرات المناخية، وحاولت في الشهر الماضي تعطيل اتفاقية الأمم المتحدة ضد التعذيب حتى يمكنها منع المراقبين الدوليين من الوصول إلى معسكر اعتقالها في خليج جوانتانامو. بل إن استعدادها لشن حرب على العراق بدون تكليف من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يعد تحديا للقانون الدولي أشد وطأة من عدم انصياع صدام حسين لمفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة.
إن إعلان الولايات المتحدة عن حرب وشيكة ليس له في حقيقة الأمر أي علاقة بالتفتيش على الأسلحة. لقد صرح جون بولتون John Bolton يوم السبت الماضي ببرنامج "اليومToday" – ومن المضحك أنه هو الرسمي الأمريكي الموكول إليه أمر "منع الأسلحة" –بأن "سياستنا .. تتمسك بضرورة تغيير النظام في بغداد، ولن تتغير تلك السياسة سواء دخل المفتشون أو لم يدخلوا." لقد غيرت حكومة الولايات المتحدة مبرراتها للإطاحة بصدام مرتين. كان استهداف العراق في المرة الأولى بسبب "مساعدته للقاعدة"، ولما ثبت بطلان ذلك ادعت الولايات المتحدة بضرورة الهجوم على العراق لأنه قد يكون بسبيل إنتاج أسلحة الدمار الشامل، وأنه يرفض السماح بدخول مفتشي الأسلحة حتى لا يكتشفوا حقيقة ذلك. وعندما لم يتحقق الدليل الموعود تم إسقاط موضوع الأسلحة. أما السبب الجديد للحرب الآن فهو أن صدام حسين نفسه موجود. وهو سبب له على الأقل ميزة إمكان إثباته. لقد أصبح من الواضح الآن أن قرار شن الحرب قد تم اتخاذه أولا ثم جاء البحث عن المبرر بعد ذلك.
إذا ما وضعنا إمدادات النفط جانبا كسبب أزلي فإن تلك الحرب ليس لها أي مبرر استراتيجي. فحكومة الولايات المتحدة لا تخاف صدام حسين مهما كانت شدة محاولاتها لبث الذعر بين شعبها، فليس هناك دليل على أن العراق ترعى الإرهاب ضد الولايات المتحدة، وصدام يعلم أنه لو هاجم دولة أخرى بأسلحة الدمار الشامل فعليه أن يتوقع ضربة نووية. وهو لا يشكل أي تهديد للعالم يزيد عما كان عليه طيلة العشر سنوات الماضية.
ولكن الولايات المتحدة لديها عدة أسباب داخلية ملحة تدفعها للحرب، أولها أن الهجوم على العراق يعطي انطباعا بأن "الحرب على الإرهاب" تسير نحو هدف ما، والسبب الثاني هو أن أهل القوى العظمى يحبون الحرب. فقد اكتشف بوش في أفغانستان أن ضرب الأجانب يربح الأصوات الانتخابية. أضف إلى ذلك ضرورة لفت الانتباه بعيدا عن الفضائح المالية التي تورط فيها كل من الرئيس ونائبه، ويبدو أن الحرب الوشيكة قد بدأ أثرها هذا بالفعل. تمتلك الولايات المتحدة أيضا صناعات حربية هائلة تحتاج باستمرار إلى الحرب لتبرير وجودها الباهظ التكلفة. ولعل العامل الذي يفوق كل تلك العوامل في أهميته هو أن الصقور التي تسيطر على البيت الأبيض ترى أن الحرب المستمرة تنتج عنها الحاجة المستمرة إلى خدماتهم. ويندر أن تكون هناك توليفة للحرب الدائمة مع الإرهابيين ومع الدول العربية الأخرى أفضل من غزو العراق، والصقور يعلمون أنهم فائزون أيا كان الخاسر. وبعبارة أخرى إذا لم تكن الولايات المتحدة تجهز للهجوم على العراق فإنها تجهز للهجوم على دولة أخرى. وسوف تهاجم الولايات المتحدة تلك الدولة لأنها في حاجة إلى أن تحارب أي دولة.
ولدى توني بلير أيضا عدة أسباب ملحة لتأييد تلك الحرب، فهو يخفف من غلواء صحافة اليمين البريطانية باسترضاء جورج بوش، وهو بوقوفه فوق أكتاف بوش يستطيع أن يفرض زعمه بالزعامة العالمية بقدر من المصداقية يفوق مصداقية الآخرين من الزعماء الأوربيين ويدافع في نفس الوقت عن وضع بريطانيا غير العادي كعضو دائم بمجلس الأمن. كما أن علاقته مع الرئيس < الأمريكي > تضمن له دورا بارزا كوسيط ومترجم للقوة.
يستطيع بلير أيضا – بإستثارة "العلاقة الخاصة" <بين بريطانيا والولايات المتحدة> أن يتجنب التحدي الأعظم الذي واجهه أي رئيس للوزراء منذ الحرب العالمية الثانية. هذا التحدي الذي يقضي بأن يكون عليما بنتيجة التحليل الموضوعي للقوى العالمية وأن يتصرف على ضوء ذلك.، أي أنه يجب أن يعلم أن التهديد الأكبر للسلام العالمي ليس صدام حسين وإنما هو جورج بوش. فالدولة التي كانت لنا معها في الماضي أمتن صداقة تتحول اليوم لتصبح ألد الأعداء.
وبينما تكتشف الولايات المتحدة أنها تستطيع تهديد الدول الأخرى ومهاجمتها دون حسيب أو رقيب فمن المؤكد أنها سوف تبدأ في تهديد دول كانت تحتسب ضمن حلفائها، وحينما يدفعها احتياجها الشره للموارد إلى أن تصبح أشد جسارة في مغامرات فتوحاتها الاستعمارية فإن ذلك سوف يؤدي بها إلى التدخل المباشر في المصالح الاستراتيجية للدول شبه الاستعمارية الأخرى، وبرفضها تحمل مسئولية تبعات استخدامها لتلك الموارد فإنها تهدد بقية العالم بالكوارث البيئية. لقد أصبحت تعلن احتقارها صراحة للحكومات الأخرى وباتت على استعداد لنقض أي اتفاق أو تعاهد يعوق أهدافها الاستراتيجية، لقد بدأت في بناء جيل جديد من الأسلحة النووية ويبدو أنها على استعداد لاستخدامه في ضربات وقائية، وقد تكون على وشك إشعال سعير بالشرق الأوسط قد يجر إليه بقية العالم.
أي أن الولايات المتحدة تتصرف مثل أي قوة إمبراطورية، فالقوى الإمبراطورية تستمر في توسيع نطاق إمبراطورياتها إلى أن تواجهها مقاومة تتفوق عليها. إذا ما تخلت بريطانيا عن تلك العلاقة الخاصة فإنها تكون قد اعترفت بأن ذلك حاصل، وإذا ما قبلت بأن الولايات المتحدة تمثل خطرا على بقية العالم فإنها تكون قد أقرت بضرورة مقاومتها. وتكون مقاومة الولايات المتحدة هي أخطر إجراء تتخذه أي حكومة بريطانية خلال ما يربو على 60 عام وأشد الإجراءات جرأة إذ يعكس اتجاه سياستها تماما. نحن لا نستطيع مقاومة الولايات المتحدة بالوسائل الحربية أو الاقتصادية ولكننا نستطيع مقاومتها بالوسائل الدبلوماسية. الأسلوب الحكيم الوحيد لمقاومة القوة الأمريكية دون التعرض للخطر يكون باتباع سياسة عدم التعاون. يجب على بريطانيا وبقية دول أوربا أن تعيق على المستوى الدبلوماسي كل محاولات الولايات المتحدة للتصرف منفردة. يجب علينا إطلاق جهود مستقلة لحل أزمة العراق والصراع بين إسرائيل وفلسطين. ويجب علينا الانتظار في ترقب وتفاؤل آملين أن تضعف قوة الولايات المتحدة نتيجة سوء الإدارة الاقتصادية ورأسمالية العصابات والإنفاق العسكري المسرف، عندئذ تتوقف الولايات المتحدة عن استخدام بقية دول العالم كما لو كانوا "دواسة مسح النعال أمام بابها." كانت لنا مع الولايات المتحدة علاقة صداقة بنيت ذات يوم– وإن كان ذلك لفترة قصيرة – على مبادئ الحق والعدل، ولن نستطيع استئناف مثل تلك الصداقة إلا إذا ما قبلت الولايات المتحدة دورها كدولة تستطيع موازنة مصالحها مع مصالح الدول الأخرى.) هذا تصوير دقيق من كاتب بريطاني يستخدم لغة المثاليات والمبادئ ولا يفوته التفكير بلغة المصالح وموازين القوى. الكلام واضح ولا يحتاج إلى تعليق. أبرز ما لفت انتباهي هو استخدام الكاتب لكلمة "فلسطين" وليس "الأراضي المحتلة" كما يقضي قاموس الإعلام الغربي. تعد كلمة "فلسطين" من المفردات المحرمة في لغة الصحافة الصهيونية. وهذا دليل واضح على أن عفن الصحافة الصهيونية الأمريكية ليس له نظير حتى في حليفتها بريطانيا التي كانت عظمى.
نشرت الإندبندنت البريطانية بتاريخ 4/8/2002 مقالا للكاتب فيليب نايتلي Phillip Knightley تحت عنوان "اختار العراق صدام لأسباب وجيهة والغرب في حاجة إلى درس في التاريخ". يحكي المقال تاريخ الغرب الأسود في خداع العرب وتمزيق وحدتهم وسلب ثرواتهم وشراء ولائهم في الحروب بوعود كاذبة، وكيف يقوم الغرب بفرض الحكام الموالين له على الشعوب العربية. يذكرني ذلك بعبارة لا أذكر مصدرها عن مفارقة تقول عن الدول العربية أنها تتميز بأن أشد شعوبها عداء لأمريكا تحكمه حكومات تحب أمريكا وضربت مثلا بالسعودية ومصر، وأن الحكومات التي تكره أمريكا تجد أن شعوبها تحب أمريكا وضربت مثلا بالعراق وإيران. لا أرى علاقة لتلك العبارة العارضة بما نحن بصدده، فإليك الترجمة الكاملة لمقال نايتلي قبل أن أصيبك بالملل:
(يجب أن يقوم بلير على الأقل بتفحص الحقائق التاريخية – التي تشرح أسباب صعود حكام وطنيين مثل صدام حسين – قبل الانضمام إلى صفوف المحاربين الصليبيين الجدد والسعي إلى فرض "تغيير النظام" على العراق، ولأن بلير يجيد "التعاطف" فلا بأس من أن يقوم خلال ذلك بمحاولة رؤية بريطانيا بعيون عراقية. إذا نظرت إلى بريطانيا من بغداد لوجدت أن البريطانيين قد قصفوا بلادهم بالقنابل وغزوها، وأنهم كذبوا عليهم، وأنهم عبثوا بتخطيط حدودهم، وأنهم فرضوا عليهم قادة لا يريدونهم واختطفوا القادة الذين يريدونهم وزوروا الانتخابات، وأنهم استخدموا أساليب الإرهاب الجماعي مع المدنيين، وأنهم وعدوهم بالحرية ثم خططوا لتحويل بلادهم إلى ولاية تابعة للهند يتم توطين الفلاحين المهاجرين من البنجاب بها. إن ما قاله الكاتب سعيد أبو الريش Mentioned Aburish ليس غريبا إذن عندما قال لي مؤخرا "إذا كنت تعتقد أن التعامل صعب مع صدام حسين انتظر لترى ما سيكون عليه الجيل التالي من حكام العراق."
من الصعب أن نتخيل أن قادة عراقيين أصغر عمرا يمكن لهم الاعتقاد بأن صدام لم يكن حازما بما فيه الكفاية إذا ما نظرنا إلى قسوة تعامله مع أكراد العراق وحربه ضد إيران وغزوه للكويت، ومن الصعب أيضا تخيل أن الأمريكيين ليس لديهم الاستعداد لتحمل التضحيات التي تتطلبها حرب شاملة بالشرق الأوسط بالرغم من أن أمريكا تمتلك أقوى جيوش العالم.
يأخذ هذا الشباب العراقي بالنظرة الإسلامية الضاربة في أعماق التاريخ والتي ترى أن الشرق الأوسط لا يحب الأجانب وينتقم من هؤلاء الذين يصرون على رؤية المنطقة من منظورهم الخاص مثلما يفعل البريطانيون والأمريكيون. علينا بالعودة إلى الحرب العالمية الأولى – حينما قام لورنس العرب مع ونستون تشرشل بفرض أول تغييرات للنظام – لكي نرى كيف وصلنا إلى الموقف الذي يواجهنا الآن. فمع انتهاء الحرب في 1919 أيقن الجميع بالأهمية الاستراتيجية للنفط وكيف أن إمدادا مضمونا منه يعد سلاحا ضروريا في أي اشتباكات رئيسية بالمستقبل. كان لبريطانيا حينئذ مصدرا هو بريتيش بتروليم British Petroleum التي كانت الحكومة البريطانية شريكا في ملكيتها وكانت تضخ النفط من مسجد السلامن Masjid-i-Salamn < لعل الكاتب يقصد مسجد السليمان Masjid-I-Sulaiman > في جبال زاجروس Zagros بإيران منذ 1908، لكن ذلك لم يكن كافيا ولهذا فقد تمت بعض الصفقات السرية قبل انعقاد مؤتمر السلام في باريس عام 1919. فعلى سبيل المثال أعطت فرنسا لبريطانيا المنطقة الغنية بالنفط حول الموصل بالعراق مقابل حصة من النفط و"إطلاق يدها" في سوريا. كانت بريطانيا قد وعدت لسوء الحظ بأن تكون سوريا للسوريين. أصبح واضحا للأذكياء من القادة العرب أن ضمانات الحرية والاستقلال – التي أعطتها لهم بريطانيا وفرنسا أثناء الحرب مقابل الحصول على تأييدهم ضد تركيا حليفة ألمانيا – لم تعد تعني شيئا.
تأكد ذلك في مؤتمر السلام حيث ضغطت شركات النفط على حكوماتها للتحلل من كل وعودها للعرب أثناء الحرب. كان واضحا لشركات النفط أن التفاوض بشأن الحصول على التنازلات وعائد الملكية مع دول عربية متنافسة ينقصها أي شعور بالوحدة يكون أسهل من التفاوض مع دولة واحدة قوية مستقلة بالشرق الأوسط. من التناقض المضحك أن أمريكا كانت الدولة الوحيدة التي اعترضت على تلك الخيانة للعرب بينما يقوم الرئيس جورج دبليو بوش اليوم بقيادة الصليبيين الجدد.
أنذرت اللجنة التي أنشأها الرئيس ولسون بضرورة منح الاستقلال لدول مثل فلسطين وسوريا والعراق في أقرب فرصة، وبضرورة إسقاط فكرة تحويل فلسطين إلى كمنويلث يهودي. تجاهل الجميع ذلك التقرير بما فيهم واشنطون واستغرق الحلفاء عامين آخرين لإنهاء تقطيع الشرق الأوسط. أصيب العرب بالذهول حينما علموا أن المثلث الواقع بين البحرالأبيض والحدود الفارسية سيوضع تحت الانتداب لكي يتمشى مع المصالح الأجنبية لبريطانيا وفرنسا. وبذلك فإن العرب ببساطة قد استبدلوا الحاكم الإمبراطوري التركي بالحاكم الإمبراطوري الغربي.
بدأت الثورة على الفور فقام العراقيون بمحاولة طردنا بالإغارة على المنشآت البريطانية وقتل جنودنا. رد الجيش البريطاني بالعقوبات الجماعية فأحرقوا كل قرية خرج منها مثل ذلك الهجوم عن آخرها. وكتب لورنس العرب لجريدة التايمز مقترحا في سخرية شديدة أن إحراق القرى لم يكن فعالا وأن "الهجوم بالغازات يمكنه أن يمحو بنظافة كل سكان المناطق المخالفة وكيف أن ذلك لا يزيد في انحطاطه الخلقي عن النظام القائم."
ومن الحقائق المؤسفة أن شيئا يشبه ذلك كان قيد البحث. فقد اقترح تشرشل – وكان وقتها سكرتير الدولة للطيران والحرب – أن تقوم القوات الجوية الملكية بمهمة إخضاع العراق وأن ذلك كان يعني "توفير نوع من القنابل الخانقة التي يتم حسابها بحيث تؤدي إلى الإصابة بنوع من العجز وليس الموت .. لكي تستخدم في العمليات الأولية ضد القبائل الثائرة." لكن القوات الجوية في النهاية أبقت على استخدام القنابل شديدة الانفجار وهي الطريقة التي ما زلنا نستخدمها حتى اليوم.
حينما قام تشرشل بتعيين لورنس لكي يقوم بإعادة ترتيب الفوضى التي آلت إليها الأمور بالشرق الأوسط بدأ الأخير باقتراح تعيين فيصل ملكا على العراق، وهو نفس الرجل الذي كان قد اختاره قائدا عسكريا للثورة العربية < ضد تركيا >، لكن المشكلة كانت في وجود عدد من المرشحين الآخرين، كان أكثرهم شعبية واحدا على طراز سابق من نوع صدام حسين وهو القائد الشعبي سيد طالب الذي اكتسب شعبيته بالتهديد بعصيان عام إذا لم يسمح للعراقيين باختيار قائدهم. كان حلنا للمشكلة بسيطا باختطافه وترحيله إلى سيلان. وحينما جاء وقت عودة طالب كان فيصل قد تم انتخابه بواحدة من تلك النسب المئوية العالية المثيرة للشك وهي 96.8%. استمر تغيير النظام في الأردن حيث تم تعيين عبد الله أخ فيصل ملكا وتم تزويده بالمال والرجال مقابل وعده بأن يكبت النشاط المعادي للصهيونية. كان والدهما الشريف حسين شريف مكة قد بدأ الثورة العربية ضد تركيا وقد عرض عليه مبلغ 100 ألف جنيه إسترليني كل عام حتى لا يسبب المشاكل، وقضي الأمر. اعتبرت بريطانيا ذلك سدادا لتعهداتها للعرب بالكامل، لكن العرب – وخاصة العراقيين – لم يروا الأمر كذلك، وكانوا في حالة ثورة منذ ذلك الحين. جاء صدام حسين إلى الحكم عام 1979 بوعد بالوحدة العربية ومقاومة النفوذ الغربي بالشرق الأوسط، وما زالت له شعبية بالعالم العربي لأنهم يعدونه واحدا من بين القلة من القادة العرب المستعدة للوقوف في وجه الغرب وخاصة الولايات المتحدة التي نشأت مصالحها بالمنطقة حديثا نسبيا. قام البريطاني المتخصص في الشئون العربية جون فيلبي St John Philby بالتوسط لعقد صفقة بين السعوديين وشركة نفط ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا Customary Oil of California وبدأ الإنتاج التجاري في شهر مارس من عام 1938. جون فيلبي هو والد جاسوس الاتحاد السوفييتي كيم فيلبي.Kim Philby
سواء قبلنا أو رفضنا أن صدام حسين يشكل خطرا علينا، وأن هذا الخطر من الشدة بحيث يبرر الهجوم على العراق مرة أخرى فإن السؤال الأهم هو: ماذا يمكن أن يحدث إذا ما قام الصليبيون الجدد بهزيمة العراق واحتلاله؟ ماذا بعد ذلك؟ انتداب من الأمم المتحدة مثل ذلك الانتداب الذي تم فرضه بعد الحرب العالمية الأولى يسمح للجيش المنتصر بالبقاء مسيطرا على الأرض التي تم فتحها؟ أو ربما "فيصل" جديد يتم غرسه حاكما على شعب يرفضه؟ أي السبيلين يؤدي إلى كارثة. إن التصرف الهزلي في أمور بلاد الآخرين وحكامهم – مهما بدوا مرعبين في أعيننا – لن يجلب إلا الحساب الدموي.
لقد كتبت متخصصة الدراسات العربية العظيمة جيرترود بل Gertrude Bell محذرة من أن شعارات الثورة والمساواة والأخوة سيبقى لها سحرها بالشرق الأوسط لأنها تتحدى نظاما عالميا تكون القوة والغلبة فيه للأوربيين أو يقوم فيه الأوربيون وعملاؤهم من القادة العرب بمعاملة العامة العرب كما لو كانوا مخلوقات من طينة أحط. وهكذا تبدأ دورة أخرى من الغضب والإحباط وإراقة الدماء لأن الأجانب ما زالوا يحتلون بلاد العرب بعد 800 عام من الحروب الصليبية.)
لا يفوتني هنا يا سيدي القارئ أن اقوم بالتعريف الذي يستحقه فيليب نايتلي. نايتلي كاتب ومؤرخ مبدع يجدر بالقارئ الجاد أن يضمه إلى ذات المجموعة التي تضم تشومسكي وفسك وبلجر. وهو مثل جون بلجر من مواليد استراليا لكنه عاش معظم حياته في لندن صحفيا مع الصنداي تايمز. من أبرز أعماله العديدة كتاب صدر في 1975 من حوالي 570 صفحة بعنوان "الضحية الأولى The First Casualty" والعنوان مشتق من مقولة السناتور الأمريكي هيرام جونسون Hiram Johnson الذي قال في عام 1917 "عندما تأتي الحرب تكون الحقيقة ضحيتها الأولى". الكتاب سجل تاريخي ممتع عن الخداع الإعلامي للحكومات في وقت الحرب والدور البطولي للمراسل العسكري في كشف الحقائق وكيف أن هذا الدور قد بات مهددا. وقد توج جون بلجر الكتاب بمقدمة في طبعة سنة 2000 من هذا الكتاب الهام.
(32)التاريخ في سلسلة مقالاتمن أقوال الصحف العالميةترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي[email protected] تاريخ المقال: 16/08/2002
هكذا يتخبط جورج بوش إذ بدأ هجومه على العراق بطلب وقح للتأييد من المجتمع الدولي فلما جاءه الرفض من كل اتجاه أرسل صبيته وعلى رأسهم توني بلير يجوبون البلدان طلبا لتأييدهم في مطلب عجيب شاذ بينما تصايح بوش وأعوانه من صهاينة البيت الأبيض بأن "من ليس معنا يكون علينا"، لكن العالم الحقيقي لم يهتز وأبدت البلايين في كل أنحاء المعمورة استياءها من همجية رعاة البقر في أفغانستان وأبدوا استياء أكثر من نية العدوان على العراق. لكن الصبي الأمريكي المغرور أعلن أن العالم أجمع لا يهمه وأنه سوف "يغير النظام" بالعراق – أي سيغزو العراق بلغة اليهود – منفردا، ويبدو أن توني بلير قد تلقى صفعة في كواليس السياسة البريطانية أخبر بوش بعدها بعدم إمكانه المساعدة العسكرية وخاصة بعد أن سحب جنوده من أفغانستان إثر ضغط داخلي مماثل، ويبدو أيضا أن كولن باول قد أوضح الأمر لسيده المتهور من أن هجوما على العراق يحمل بين طياته كل عوامل الفشل العسكري قبل السياسي، فضرب العراق من الجو لهدم بنيته التحتية من جديد سيكون مفهوما واضح الدوافع للعالم أجمع ولن يغير شيئا من الوضع القائم، كما أن هجوما أرضيا لن تتوفر له القوات الأجنبية فليس هناك عميل عربي واحد يستطيع المجازفة بذلك لأن أول طائرة مصرية تنطلق باتجاه بغداد على سبيل المثال يكون من الجائز أن تدك قصر الرئاسة في القاهرة أولا. وقد أخذ بنو سعود الأمر من أقصر الطرق بعد أن وصل شعب الحجاز درجة الغليان فأعلنوا بوضوح لا لبس فيه أن أراضيهم لن تستخدم في هجوم على العراق، وأسرع العاهر الأردني الخطى نحو أسياده راجيا مستجديا وهم يمهدون مطاراته لتتناسب وحجم قاذفات القنابل الأمريكية الصهيونية دون أن يجسر على الاعتراض. اتضح لكل تلك الأسباب مجتمعة أن استخدام القوات الأرضية الأمريكية ضد بغداد أمر محفوف بالخطر وتكرار لهزيمة لقيتها القوات الأمريكية الأرضية التي حاولت غزو بغداد في 1991 وهزمت هزيمة منكرة عتمت عليها وسائل الإعلام الأمريكية الصهيونية التي كانت تدير دفة أنباء الحرب من فندق الشيراتون واستوديوهات هوليوود. وفوق كل هذا وذاك فإن رعاة البقر الأمريكيين موحولون اليوم حتى الآذان مع رعاة الماعز في أفغانستان، وخسائرهم تتفاقم يوما بعد يوم في تلك الرحلة الطويلة التي قال عنها بوش في بدايتها أنها لن تستغرق سوى بضعة أيام يعود بعدها "الأولاد" سالمين إلى أرض الوطن.
لذلك خرج علينا بوش أخيرا بنبرة أكثر تواضعا وبلع في هدوء مصطنع كل تبجحه وصفاقته المعلنة. لكن الصهاينة من حوله ظلوا ينعقون وكان أكثرهم سخفا ووضوحا ذلك الصهيوني القح دونالد رمزفيلد الذي وقف مترددا في أحد المؤتمرات الصحفية ينعق كالبوم بكلام سخيف معاد عن أسلحة الدمار الشامل وغير ذلك من السخافات المكشوفة التي ملتها أسماعنا وأصبحت مجرد هلوسة صهيونية لا تقدم ولا تؤخر ولا تفسر شيئا. كان وجه رمزفيلد ونبرة صوته تنضح كالمعتاد بالغش والكذب والتدليس الصهيوني الذي عرفناه وألفناه والشهوة إلى إراقة الدماء التي لا تعادلها سوى شهوة مجرم الحرب آريل شارون.
في عرض خاص عن أزمة العراق كتبت الأبزرفر البريطانية في 11/8/2002 تحت عنوان "ماندلسون يقول بأن ما يردده بوش يخيف أوربا" بقلم جابي هنزلف Gaby Hinsliffوجاسون بيرك Jason Burke :
(أضاف بيتر ماندلسون Peter Mandelson <وزير بريطاني يهودي سابق> صوته إلى القلق المتزايد من أسلوب الرئيس بوش في معالجة أزمة العراق فقال محذرا أن الحديث الهجومي لقادة الولايات المتحدة قد يؤدى إلى تغيير الرأي العام الأوربي في الاتجاه المضاد.
تكلم الوزير السابق الذي بقي قريبا من الحكومة، بينما أوضح استطلاع جديد للرأي أن ثلثي الناخبين بدائرة رئيس الوزراء نفسه لا يؤيدون العمل العسكري ضد صدام حسين.
كان ماندلسون عائدا لتوه من رحلة إلى واشنطون وقال أن خطب الرئيس العامة قد تم تخطيطها بطريقة ضيقة بحيث تستهوي الأمريكيين القلقين. وأضاف أن "بل كلنتون كان يجيد الحديث بلغة دولية تقصد كل أطراف العالم .. لم يتمكن بوش من إجادة ذلك الأسلوب".
تعكس كلمات ماندلسون قلقا داخل الحكومة البريطانية حول انخفاض شعبية الرئيس < الأمريكي> في بلاده مما يخلق احتمالات وقوع بلير في المخاطر بتأييده قضية الرئيس.)
يمضي المقال إلى القول بأن الرأي العام مجرد رد فعل لكم مجهول حيث أن طبيعة هذا العمل العسكري غير واضحة ووسائل الإعلام ملأى بتكهنات "خبراء الكراسي" وأن الرأي العام يمكن تغييره إذا كانت الأمور أوضح. وأضاف المقال أن الأمريكيين محقون في مخاوفهم من الإرهاب بعد 11 سبتمبر ويدهشهم أن الأوربيين لا يشاركونهم مشاعرهم، بينما يعتقد الأوربيون أن بوش ماض في طريقه دون اعتبار لآراء الآخرين أو مصالحهم. يتابع المقال:
(أضاف ماندلسون أن الحكمة التي تسير عليها واشنطون هي "مع حلفائنا إن أمكن أو بمفردنا إذا اقتضت الضرورة." ويصر بلير على أنه لم يتم اتخاذ أي قرار بشأن العمل العسكري وأنه لا بد من عمل شيء بشأن أسلحة الدمار الشامل.
بدأت بغداد في شن حملة دعائية على أمل فصل بريطانيا عن الولايات المتحدة حتى يمكن تجنب الحرب. يعد صدام حسين نداء خاصا لبلير ربما عن طريق التلفاز داعيا إياه إلى السفر إلى العاصمة العراقية. من المعلوم أن صدام قد أعلن أن بلير يستطيع زيارة أي موقع ورد ذكره بالملفات السرية للحكومة البريطانية وتم الادعاء بأنه للأسلحة الكيميائية أو البيولوجية أو النووية كدليل ضد صدام.)
لم يكن بخطبة الرئيس صدام حسين التي أذاعها التلفاز العراقي فيما بعد أي استجداء لبلير أو غيره للقيام بزيارة للمواقع العراقية، وإنما كانت هناك دعوة عامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لاستئناف التفتيش بالشروط المحددة. وهي مناورة سياسية ماهرة من الرئيس العراقي تركت بوش في العراء يلملم أطراف خيبته وصيحات قوته.
يبدو أن كلا من بوش وبلير قد أصبحا اليوم بحاجة ماسة إلى صرف بعض الجهد المبذول في "الحرب على الإرهاب" إلى "الحرب على الإفلاس" حيث يأخذان ببلديهما سريعا نحو أزمة اقتصادية كان التهور والإنفاق العسكري من أهم أسبابها. ولو تورط بوش المجنون في حرب أخرى نتيجة ضغط أعوانه الصهاينة الذين يمسكون بزمام إدارته فإن ذلك لن يسبب الانتعاش كنتيجة لاقتصاد الحرب الوهمي الذي كان ينقذ أمريكا من تهورها في الماضي وإنما قد يتسبب في كشف كل عورات ذلك الماضي التي تمت السيطرة الوهمية عليها، فتهوى أمريكا إلى درك سحيق وأزمة اقتصادية لم تر مثلها من قبل. فأمريكا في حقيقة أمرها مارد هائل منتفخ بالهواء الساخن، تعتمل بداخلها مشاكل اجتماعية واقتصادية هائلة من صنع يهود الإعلام والإدارة الأمريكية الصهيونية.
تحت عنوان "الرد العراقي" نشرت الواشنطون بوست" الأمريكية الصهيونية افتتاحية في 13/8/2002 تقول:(نفي أحد كبار الرسميين العراقيين نفيا باتا احتمال استئناف الأمم المتحدة التفتيش على أسلحة الدمار الشامل ببلاده. قال محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام "لقد انتهى التفتيش بالعراق." لا يستطيع أحد القول بأن هذا هو القول الأخير، فتحت نظام الحكم الفردي بالعراق يمكن لوزير أن يقول قولا ثم يتم إنكاره والتنصل منه في اليوم التالي، مثلما يمكن طرد أي رسمي دون شرح أو سابق إنذار. لكن تعليق وزير الاستعلامات يعكس بالتأكيد واقع اليوم ويقدم تذكرة نافعة بما هو تحت التهديد.
كان معظم النقاش الدائر مؤخرا – حول إمكان قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد العراق – يتركز على مدى صواب "الضربة الوقائية" وكأن ما يربو على عقد من الزمان لا قيمة له. واقع الأمر أن الأسس القانونية والأخلاقية والعملية للقيام بعمل ضد صدام حسين تعود جذورها إلى عام 1990، ولا تعني تلك الأسس الولايات المتحدة بمفردها. لقد أرسل صدام حسين جيشه إلى دولة الكويت المستقلة ذات السيادة، وكان قرار التضامن الدولي الواسع برئاسة الولايات المتحدة بأن هذا الخروج على القانون لا يجوز له الاستمرار، ورفض صدام حسين التراجع وحارب وخسر. وقد تعهد الدكتاتور لمجلس أمن الأمم المتحدة – كشرط لاحتفاظه بالسلطة وهو مهزوم – بأن يتخلص العراق من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية والصواريخ التي يمكن أن تحملها، ووعد أيضا بأن يسمح للأمم المتحدة بأن تتأكد بنفسها من أنه قد امتثل.
لا يمكن لأحد القول بأن صدام حسين قد أوفى بتعهداته، باستثناء صدام نفسه ووزرائه المتملقين المتسلقين. إن رفضه نزع السلاح وإهاناته الصفيقة لقرارات الأمم المتحدة تعد صفعات موجهة ليس للولايات المتحدة فقط وإنما إلى كل أمة تدعي تقديرها للقانون الدولي ونظام الأمم المتحدة. ومع ذلك كانت تلك الدول ومعها رؤساء الأمم المتحدة على استعداد لتحمل هذا الخروج على القانون شهرا بعد شهر وعاما بعد عام. إن حلفاء الولايات المتحدة في أوربا وآسيا والشرق الأوسط الذين يعارضون العمل العسكري بصفة مستمرة يقولون دائما أنهم مصرون على نظام دقيق للتفتيش. لقد تلقوا الإجابة بالأمس، وهي نفس الإجابة التي يتلقونها منذ وقت طويل، فما هو العمل؟
صحيح أن صدام حسين ليس الطاغية الشرير الأوحد بهذا العالم، وليس الطاغية الوحيد الذي يسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. ليس في طاقة الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة –ولا يجب عليهما – التفكير في التدخل العسكري ضد كل طاغية مماثل مؤهل لعضوية محور الشر، لكن صدام حسين نوع فريد ليس هذا فقط لأنه قد استخدم الأسلحة الكيميائية ضد شعبه وضد غيره. لقد بحث العالم حالته ووصل إلى حكم بشأنها، وإذا ما كانت الدول غير قادرة على فرض تطبيق ذلك الحكم فإن الضرر سوف يمتد بعيدا خارج نطاق منطقة الشرق الأوسط.)
تبدو الصهيونية الأمريكية هنا في أوضح صور كذبها وتدليسها ومحاولة إرهاب الشعب الأمريكي مدعية أن الأخطار تمتد "خارج نطاق الشرق الأوسط" أي إلى أمريكا، وكأن صدام حسين يمتلك الصواريخ العابرة للقارات ومخزونا من الرؤوس النووية يشبه المخزون الإسرائيلي من قريب أو بعيد.
يبدو عزف الصحافة الصهيونية الأمريكية أحيانا في حالة نشاز وعدم انسجام مع عزف الصهاينة الأمريكيين بالإدارة الأمريكية الذين انتهوا تماما من عزف تلك المقدمة الموسيقية العنيفة "الفورتيسيمو" عن وحشية وخطورة صدام وضرورة ضرب العراق وانتقلوا منها إلى مقطع "الليجرو" أقل ضوضاء عن ضرورة التنسيق مع الحلفاء حتى يمكن "تغيير النظام" بالعراق، بل انهم قد أوشكوا على الانتقال إلى خاتمة هادئة "لارجو" بعد أن أيقنوا بعجزهم عن تلك المخاطرة. لكن كلاب الصحافة الصهيونية الأمريكية كدأبهم عاكفون على النباح وإثارة الذعر بين أفراد الشعب الأمريكي الساذج الجهول.
أما افتتاحية طهران تايمز بتاريخ 14/8/2002 فكانت تحت عنوان "الأهداف الأمريكية أبعد من العراق"، أقتطف منها:
(ليست العراق هي الهدف الوحيد لإدارة بوش. فقد تضم أهداف الخطط الأمريكية الجديدة –تحت ستار "الحرب ضد الإرهاب" – دولا أخرى بالشرق الأوسط تشمل السعودية أقرب الحلفاء إلى واشنطون.
قالت جريدة النيوزويك أن بعض المصادر القريبة من الإدارة الأمريكية تحث بوش على شن هجوم على إيران والسعودية بعد الهجوم على العراق. ولكي يتم التمهيد لاتخاذ إجراء ضد السعودية قال سيمون أندرسون محلل شئون الشرق الأوسط الموالي لإسرائيل أن السعودية أعطت لبن لادن مساعدات بملايين الدولارات.)
( يعتقد المحللون هنا أن النظام الصهيوني يحاول إشعال المشاعر المعادية للمسلمين بالولايات المتحدة. أحد أسباب ذلك أن حربا جديدة في الشرق الأوسط تناسب تل أبيب لأنها تخلق ظروفا تصرف الانتباه عن أفعالها وتعطيها حرية أكبر لإنهاء حركة المقاومة بالمناطق المحتلة. أفاد أحد المحللين بأن "بوش قد عقد العزم على السيطرة على منطقة الخليج الغنية بالبترول، وهذا هو السبب في أنه قد يحدث بعض التغييرات في السعودية أو في بعض البلاد الأخرى بحجة إرساء الديمقراطية بالعالم العربي.")
يمضي المقال إلى القول بأن هجوما على العراق ما زال قائما وأن تأخيره يرجع إلى معارضة دول المنطقة وروسيا وفرنسا وبعض الدول الأوربية الأخرى. هذا التصور للصحيفة الإيرانية لا يمكن استبعاده بعد أن رأينا عينات من الجنون الأمريكي في حرب الخليج الأولى وفي أفغانستان بعد عشر سنوات، فلعل دورة الجنون الأمريكي تكون كل 10 سنوات لكي ننعم بعشر سنوات أخرى من الهدوء النسبي بهذا العالم المضطرب.
(33)التاريخ في سلسلة مقالاتمن أقوال الصحف العالميةترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي[email protected] تاريخ المقال: 23/08/2002
وهكذا يكتمل مخطط 11 سبتمبر الصهيوني بمطالبة السعودية بتعويضات لضحايا مؤامرة 11 سبتمبر الأمريكية الصهيونية لمجرد أن المتآمرين الذين خططوا للمؤامرة حشروا بعض الأسماء السعودية ضمن كشف بالطيارين الوهميين الذين كان من المفترض أنهم قادوا الطائرات التي كانت في واقع الأمر موجهة أوتوماتيكيا بواسطة "الريموت كنترول".
هل تذكر كيف وجدوا جواز سفر أحد الطيارين الوهميين وسط الحطام بينما فشلوا وقتها في عد جثث الضحايا؟ تخيل كيف وجدوا جوازا للسفر وكيف استدلوا على أن صاحبه كان يقود الطائرة! أي كذب وأي تلفيق هذا؟ هل تذكر رسائل الوداع الملفقة المكتوبة باللغة العربية الصهيونية وكيف يستطيع أي عربي أن يكتشف من مفرداتها أن كاتبها ليس عربيا مسلما كما ادعوا. من واجبنا أن نجمع كل تلك الأدلة التي تشير إلى أن 11 سبتمبر مؤامرة أمريكية صهيونية في أغلب الأمر أو أنها على الأقل مؤامرة إسرائيلية تم التعتيم عليها أمريكيا وأن السلطات الأمريكية متواطئة بالاشتراك أو بالسكوت.
لقد ظهرت في الولايات المتحدة مؤخرا حركة بين مدرسي المدارس الابتدائية والثانوية تزعمتها جمعية التعليم القومي Nationwide Schooling Affiliation ترفض النص الحكومي والنص الإعلامي الصهيوني فجهزت لذلك برنامجا يستعرض ما حدث في 11 سبتمبر 2001 في صورة مجموعة دروس بعنوان "تذكر 11 سبتمبر" وقد هاجمتها بشدة قناة تلفاز فوكس نيوز التي تمهد ليل نهار لضرب البلاد العربية والإسلامية. هذا الهجوم يدل على أن تلك الحركة ليست تيارا عابرا وإنما قد تكون بداية يقظة للشعب الأمريكي الذي تقوم الوسائل الإعلامية الصهيونية بحملة مستمرة ومركزة لإرهابه وإخافته. ويبدو أن الإعلام اليهودي يخشى من استخدام الأمريكيين لعقولهم وقد أرعبه قول جيرالد نيوبري Jerald Newberry المتحدث باسم جمعية التعليم القومي إذ يقول:
(لدينا أكثر من 100 موقع على الإنترنيت .. آمل أن يظهر عليها العديد والعديد والعديد من الآراء المختلفة لأن هدف التعليم بالمدارس القومية يجب أن يكون تعليم النشء كيف يحللون ويفكرون وأن يكون لهم فكر نقدي يفحص فلا يصدقون كل ما يسمعونه على الراديو أو يشاهدونه على التلفاز.")
تلك مصيبة كبري تصيب الإعلام اليهودي بالذعر .. أن يفكر الأمريكيون ويحللون ما يسمعون أو يشاهدون من كذب ودجل يهودي .. ذلك من علامات الساعة وتلك هي ساعة الفصل "الأرماجدون Armageddon" – التي يروجون لها – بعينها.
كانت آخر صيحة لبث الرعب في نفوس الأمريكيين على شاشةCNN مؤخرا عن التجارب الوهمية للغازات السامة على كلاب التجارب والتي من المفترض أن يصدق الشعب الأمريكي المستغفل أن "القاعدة" قامت بها تمهيدا لتنفيذها بالقطارات والأنفاق والمطارات والحافلات الأمريكية. وكما وجدوا جواز السفر بين أنقاض مبنى التجارة العالمية بنيويورك فقد وجدوا أيضا شرائط فيديو لتجارب الأسلحة الكيماوية قام بها مصريون ويظهر على شريط الفيديو كلام باللهجة المصرية يتعارض مع التركيبات الكيميائية السحرية المصرية التي يبديها شريط الفيديو باللغة العربية وتتطلب وضع كذا "غرام" من مادة كذا على مادة كذا. منذ متى يزن المصريون بذلك "الغرام"؟ يذكرني ذلك بمندوب الموساد الذي أراد رؤيتي فأطلق على نفسه اسم "علي عبده" وجاءني بصورة فاكسية لشهادة زواج مصرية مزورة لترجمتها مكتوب عليها في خانة اسم الزوجة "زينب بنت أحمد بنت علي". كان يتكلم العامية المصرية وكانت تفلت منه كلمات بالعامية الفلسطينية. قلت له أن يكتب لرئيسه في تل أبيب بأن يحاول أن يكون أقل غباء، وأن الغباء هو العلامة التجارية المسجلة للموساد الإسرائيلي.
نشرت الجارديان البريطانية مقالا بتاريخ 12/8/2002 بقلم بريان هويتاكر Brian Whitaker بعنوان "Selective Memri". العنوان لعب بالألفاظ حيث أن التعبير الإنجليزي "Selective Reminiscence" يعني الذاكرة التي تختار ما شاءت وتنسى ما تود نسيانه بينما تشكل كلمة "ممري" MEMRI الأحرف الأولي لاسم مؤسسة مشبوهة تدعي الاستقلال وعدم التحيز وتسمي نفسها "معهد الشرق الأوسط للإعلام والبحوثMiddle East Media and Analysis Institute". وقد أثبت الكاتب أن تلك المؤسسة المشبوهة – التي تقوم بترجمة مقتطفات من الصحافة العربية – ليست سوى مؤسسة صهيونية تلعب دورها ضد العرب، شأنها في ذلك شأن كافة معاهد ومراكز "الدراسات الاستراتيجية والبحوث" التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIAالتي تنتشر بالدول العربية وخاصة في دول الخليج حيث يوجد أشهرها وأكثرها ضررا بمدينة أبو ظبي ويديره عميل إماراتي بالاشتراك مع يهود أمريكيين تحت واجهة إماراتية ويحقق أهدافه المشبوهة بترجمة كل ما يثير الرعب والحاجة إلى الحماية الأمريكية بالمنطقة مستخدما اسما جذابا يوحي زورا بالعلم والمعرفة هو "مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية Emirates Middle for Strategic Research and Analysis (ECSSR) . أعود إلى مقال هويتاكر الذي يقول:
(أتسلم منذ مدة منحا صغيرة من معهد سخي بالولايات المتحدة في صورة ترجمة متميزة لمقالات من الصحافة العربية يرسلها لي المعهد بالبريد الإلكتروني كل بضعة أيام دون مقابل على الإطلاق. يذهب مثل هذا البريد إلى رجال السياسة والجامعات ولعدد كبير من رجال الصحافة، وعادة ما تكون القصص التي يحتوي عليها مسلية ومشوقة.كلما تسلمت رسالة إلكترونية من ذلك المعهد كلما تسلم عدد آخر من الزملاء بالجارديان مثلها فيقومون بتحويل صورة منها إلي ومعها أحيانا ملحوظة تقترح أن أقوم بالبحث والتقصي عن القصة المرسلة والكتابة بشأنها.إذا ما جاءت الملحوظة من زميل يعلوني درجة ترك ذلك لدي شعورا بضرورة الكتابة. ولأضرب مثلا بما حدث في الأسبوع الماضي حيث كانت برسالة المعهد فقرتان من الترجمة يدعي فيهما طبيب سابق بالجيش العراقي أن صدام حسين شخصيا قد أعطى تعليماته بأن تقطع آذان من يهرب من الخدمة.تقوم منظمة "معهد الشرق الأوسط لبحوث الإعلام" تلك بالترجمة وتوزيعها ، وهي منظمة أصلها في واشنطون لكنها افتتحت مؤخرا مكاتب لها في لندن وبرلين والقدس، ويتم دعم تمويلها من أموال دافعي الضرائب بالولايات المتحدة لأنها مؤسسة "مستقلة لا تنتمي لحزب ولا تسعى لربح" وطبقا للقانون الأمريكي يتم خصم الأموال الممنوحة لها من الضرائب المستحقة على من يتبرع لتمويلها.تهدف مؤسسة "ممري" – طبقا لما هو منشور بموقعها على الإنترنيت – إلى ملأ الفجوة اللغوية بين الغرب حيث لا يتكلم العربية سوى القلة وبين الشرق الأوسط، فتقدم "الترجمة في حينها عن وسائل الإعلام العربية والفارسية والعبرية".ورغم تلك العبارات الراقية فإنني أشعر بعدم الارتياح – لعدة أسباب – كلما طلب مني بحث رواية نشرتها "ممري". أول تلك الأسباب هو غموض تلك المؤسسة فموقعها على الإنترنيت لا تتوفر عليه أية أسماء لأشخاص يمكن الاتصال بهم أو حتى عنوان لمكتبها. وقد نشرت الواشنطون تايمز في 20 يونية تقول أنه طبقا لقول أحد موظفي تلك المؤسسة السابقين فإن سبب تلك السرية هو "أنهم لا يودون أن يدخل عليهم الانتحاريون المتفجرون في صباح يوم الاثنين". وهذا إجراء احتياطي عجيب يثير دهشتي من معهد يريد ببساطة أن يملأ الفجوة اللغوية بين الشرق والغرب.أما السبب الثاني لشعوري بعدم الارتياح فهو أن الموضوعات التي تختارها "ممري" للترجمة ذات نمط مألوف، فهي تهدف إما إلى تشويه صورة العرب أو إلى الترويج للأهداف السياسية الإسرائيلية. ولست الوحيد الذي يخالجه هذا الشعور بعدم الارتياح، فقد صرح إبراهيم هوبر Ibrahim Hooper من مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية Council on American-Islamic Relations للواشنطون تايمز بأن "نوايا ممري هي البحث عن أسوأ ما يمكن العثور عليه من أقوال بالعالم الإسلامي ومحاولة نشرها على أوسع نطاق ممكن". يمكن طبعا أن تدفع "ممري" بأنها تسعى إلى تشجيع الاعتدال بالتركيز على أمثلة للتطرف وعدم الاحتمال. ولكن لو أن الأمر كان كذلك لتوقعنا أن يدفعها عدم الانحياز إلى نشر أمثلة للتطرف من الإعلام العبري أيضا. فرغم أن ممري تدعي أنها تقوم بإرسال الترجمة عن الإعلام العبري إلا أنني لا أذكر أنني قد تسلمت منها شيئا.الدلائل على موقع ممري على الإنترنيت تثير الشك في أمر عدم انحيازها. فهي تؤيد الديمقراطية التحررية والمجتمع المدني والسوق الحرة، ولكنها بجانب ذلك تؤكد أيضا على "أهمية الصهيونية لليهود ودولة إسرائيل". هذا هو ما كان يقوله موقعها على الإنترنيت قبل أن تحذف العبارات الخاصة بالصهيونية والتي ما زال بالإمكان العثور عليها بالبحث في أرشيف الإنترنيت عن الصفحة الأصلية قبل تعديلها. تتضح أسباب غموض "ممري" إذا نظرنا إلى من هم وراءها. رئيس "ممري" والمشارك في تأسيسها ومالك موقعها المسجل على الإنترنيت هو إسرائيلي يحمل اسم إيجال كارمون Yigal Carmon. والسيد أو الكولونيل كارمون قد قضى 22 عاما بالمخابرات العسكرية الإسرائيلية ثم عمل فيما بعد مستشارا لشئون مكافحة الإرهاب لاثنين من رؤساء الوزارة اليهود هما إسحق شامير وإسحق رابين.
وعند استعادة صفحة أخرى من صفحات موقع "ممري" المحذوفة والمحفوظة بأرشيف الإنترنيت نجد قائمة بستة أسماء لموظفي "ممري" منهم ثلاثة قد عملوا بالمخابرات الإسرائيلية بما فيهم الكولونيل كارمون. ومن بين الثلاثة الآخرين نجد أن أحدهم قد خدم بالجيش الإسرائيلي في القيادة الشمالية للعتاد الحربي والخامس ذو خلفية أكاديمية وأما السادس فكان يعمل سابقا بالإلقاء الكوميدي . أما الزميلة المؤسسة مع الكولونيل كارمون فهي ميراف ورمزر Meyrav Wurmser التي تعمل أيضا مديرة لمركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد هدسون Hudson Institute الذي يروج لنفسه بقوله أنه "المصدر الأمريكي الأول للبحوث التطبيقية الخاصة بالتحديات المستمرة للتخطيط السياسي". وقد انضم مؤخرا إلى لجنة أمناء معهد هدسون "رجل كل المواقع" ريتشارد بيرل Richard Perle رئيس لجنة تخطيط السياسات بوزارة الدفاع (البنتاجون). السيدة ورمزر هي كاتبة ورقة أكاديمية بعنوان "هل تستطيع إسرائيل استمرار الحياة في فترة ما بعد الصهيونية؟" التي تقول فيها أن المثقفين الإسرائيليين من الجناح اليساري يشكلون ما هو أبعد من الخطر العابر على دولة إسرائيل، حيث يدمرون روحها ويضعفون من عزمها الدفاع عن نفسها. السيدة ورمزر – بالإضافة إلى ذلك – ذات مؤهلات عليا واعتراف دولي بها وهي محدثة لبقة ذات علم ومعرفة بأمور الشرق الأوسط بحيث أن حضورها – على حد قول شركة العلاقات العامة "بنادور وشركاه Benador Associates " التي تروج لخدماتها –"يجعل من أي مناسبة أو برنامج للراديو أو التلفاز حدثا فريدا.")يمضي المقال الطويل إلى فضح تلك المؤسسة الصهيونية بالقول أن ترجمتها دقيقة لكن سوء القصد يكمن في بتر الحقائق وحذف الهام منها، فيقول بأنه لا "ممري" ولا جريدة الحياة التي اقتبست منها قصة بتر الآذان قد ذكرت أن القصة عمرها Four سنوات وأن صاحبها أدلى بها في موقف لتبرير لجوئه السياسي للولايات المتحدة، وهو موقف يلجأ الكثيرون فيه إلى توليف روايات قد تكون من وحي الخيال.يحكي الكاتب أيضا عن قصة نشرتها جريدة "الرياض" السعودية عن اليهود الذين يخلطون دماء غير اليهود بفطائر عيدهم، ويقول بأن "ممري" ادعت أن الجريدة رسمية تملكها الحكومة في حين أن الجريدة ملكية خاصة ولم تذكر "ممري" فيما بعد أن مالكها قد فصل كاتبة المقال من الجريدة. يستمر الكاتب إلى القول:
(أما قصة نجاح "ممري" التالية فكانت بعد شهر من ذلك حينما كتب السفير السعودي بلندن قصيدة بعنوان "الشهداء" عن فتاة شابة من الانتحاريين المتفجرين نشرتها جريدة الحياة.أرسلت "ممري" ترجمة للقصيدة التي وصفتها بأنها قصيدة مدح للمتفجرين الانتحاريين. والأمر في حقيقته يخضع للتفسير سواء كان هذا هو هدف القصيدة أو لم يكن. ربما كان الأقرب للعقل أن يكون هدف القصيدة استنكار العجز السياسي للحكام العرب، لكن تفسير ممري قد نقله الإعلام الغربي دون الكثير من السؤال.لا ينبغي النظر إلى الأحداث المتعلقة بالسعودية منفصلة لأنها جزء من عملية بناء قضية ضد المملكة لإقناع الولايات المتحدة بمعاملتها معاملة الأعداء وليس الحلفاء. وهي حملة يقوم على ترويجها كل من الحكومة الإسرائيلية والمحافظين الأمريكيين الجدد منذ بداية العام، وكان أحد مظاهرها ذلك المؤتمر الصحفي الغريب الذي عقد في البنتاجون في الشهر الماضي برئاسة ريتشارد بيرل Richard Perle.)
يمضي الكاتب إلى التحذير من خطورة الافتراض بأن تلك الترجمة المختارة تمثل الإعلام العربي وكيف أن الكثيرين من أصحاب القرار الأمريكي يرونها كذلك. يقترح الكاتب على العرب أن تقوم مجموعة من مؤسسات إعلامهم بترجمة وتوزيع عينات تمثل الإعلام العربي بدلا من العويل والنواح من أفعال المخابرات الإسرائيلية.الكاتب محق كل الحق وقد جاءت روشتة العلاج منه وهو "خبير خواجه" أرجو أن يكون لمقترحاته أثر لدى وزارات الإعلام العربية التي تنفق الملايين على شغل الناس بتافه الأمور. لقد يئسنا من الكتابة بمثل تلك المقترحات للمسئولين بالإعلام العربي الذين ينفقون الملايين فيما لا ينفع ويضنون بالآلاف على حركة ترجمة نشطة بنشرة دورية بسيطة يتم إرسالها بالبريد الإلكتروني بضغطة زر واحدة إلى وسائل الإعلام الغربية وإلى كل من له صلة باتخاذ القرار الأمريكي. لقد تركوا العبء كله علينا نحن الناشطين العرب بالعالم الغربي رغم قدراتنا المحدودة وانشغال معظمنا رغما عنا بالسعي وراء لقمة العيش في مجتمع غريب وغربة قاسية على النفس.
لكي نستعرض المزيد من فصول هذه المسرحية الصهيونية الهزلية تحمل معي يا سيدي القارئ تفاهة افتتاحية الواشنطون بوست بتاريخ 18/8/2002 التي سأترجمها لك كاملة لكي تفحصها فتحكم بنفسك على هذا العبث العقيم. الافتتاحية بعنوان "النقاش مستمر عن العراق":
(أوردنا في هذا المكان منذ أسبوعين أن النقاش يحتدم عن تدخل الولايات المتحدة في العراق والفضل في ذلك يعود بعضه إلى جلسات لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. كتبنا وقتها قائلين أنه "من الغريب أن كبار الرسميين بالإدارة لم يشاركوا بعد في النقاش العام". لقد تغير ذلك في الأسبوع الماضي بعض الشيء حينما قالت كوندوليسا رايس Condoleezza Rice مستشارة الأمن القومي أن صدام حسين "رجل شرير" وأنه إذا ما امتلك أسلحة الدمار الشامل ووسيلة إرسالها فإنه سوف " يثير البلاء والفوضى .. علينا جميعا". ومع ذلك فقد استمرت الإدارة في القول بأنها لم تستقر على خطة محددة للتعامل مع العراق، وبالتالي فإنها لا تستطيع المشاركة في جوهر النقاش. استمرت حدة النقاش المفيد في الازدياد خارج نطاق الإدارة، وشمل ذلك إسهام زبيجنيو برززينسكي Zbigniew Brzezinski اليوم على الصفحة المقابلة < يتلخص مقاله في أن الولايات المتحدة يجب أن تتريث لأن الحرب أمر خطير وأن تحاول بناء اتهام قوي ضد صدام حسين> وقد أدلى بدلوه هذا الشهر أربعة على الأقل من مستشاري الأمن القومي السابقين، اثنان منهم خدما بالإدارات الديمقراطية السابقة هما برززنسكي وساندي برجر Sandy Berger، واثنان بالإدارات الجمهورية هما هنري كيسنجر Henry Kissinger وبرنت سكوكروفت Brent Scowcroft. ورغم أن كل تعليق كان فريدا في حد ذاته إلا أنهم قد أظهروا إجماعا على بعض الأمور. لقد أجمعوا على أن صدام حسين "خطر شديد" وهو رأي تبناه أيضا السيد سكوكروفت وهو أشد الأربعة جنوحا للسلم والذي ظهر إسهامه في عدد الخميس من وول ستريت جورنال Wall Avenue Journal. النقطة الأخرى التي أجمعوا عليها هي أن شن حرب على نظام لم يهاجم الولايات المتحدة خطب جلل مهما كان من أمر ذلك النظام من حيث أنه نظام كريه خطير يتهددنا. فلا يجب الدخول في حرب دون أن تقوم الإدارة بعرض قضية مقنعة على الحلفاء والكونجرس والشعب الأمريكي. ولا يجب دخول تلك الحرب إلا إذا كانت البلاد ملتزمة بمساعدة العراق في إعادة البناء بعد الحرب. وقد أجمع المستشارون السابقون على أن هناك بون شاسع بين الإدارة وبين إرسائها لتلك القواعد التمهيدية الأساسية.
يتطلب القرار بشأن العراق في نهاية المطاف تقييم كل عوامل الخطر المتباينة حيث قد يكون الخطر الناجم عن السكوت أشد خطورة وأقل وضوحا من خطر التحرك. وقد أوضح السيد سكوكروفت ببراعة خطورة التحرك من حيث أن الحرب ستكون دامية ومكلفة وأنه إذا ما أحكم الخناق على صدام حسين بحيث لا يجد مخرجا فإنه قد يطلق العنان لأسوأ أنواع أسلحته ربما ضد إسرائيل، وأن المنطقة بأسرها قد تتحول ضد الولايات المتحدة، وان الحرب على الإرهاب تصاب بانتكاسة.
أما الخطر المقابل الذي يصعب تقييمه فهو أن صدام حسين سوف يستخدم أسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة إما مباشرة أو بتسريبها للجماعات الإرهابية. وقد كتب هنري كيسنجر سكرتير الدولة السابق يوم الاثنين في البوست The Submit قائلا أن " السياسات التي تمكنت من ردع الاتحاد السوفييتي لخمسين عام خلت لا يحتمل لها أن تعمل ضد قدرة العراق على التعاون مع الجماعات الإرهابية. لقد أوضح التفجير الانتحاري أن حسابات محاربي الجهاد ليست هي نفس حسابات سادة الحرب الباردة." وقال السيد سكوكروفت أن "الأدلة الملحة بأن صدام حسين قد حصل على قدرات الأسلحة النووية" قد تقدم سببا مشروعا للحرب، لكن الأدلة الخارجية تقلل دائما من قدرات صدام حسين. قال السيد كسنجر أن هؤلاء الذين يعارضون الحرب اليوم بسبب خطورة أسلحة الدمار الشامل العراقية على إسرائيل إنما يمارسون سياسة "الردع الذاتي". وقد كتب قائلا "إذا ما كان الخطر قائما اليوم فإن الانتظار لا يمكن له إلا أن يزيد من احتمالات الابتزاز بالتهديد في المستقبل."
تحمل الضربة الوقائية خطرا آخر هو أنها تبدو كما لو كانت تقنينا لاعتداء أي دولة قوية على نظام ضعيف ليس على هواها. كنا دائما نرى أن هجوما يستهدف أسلحة صدام حسين له من الشرعية ما ليس لغيره لأن مجلس أمن الأمم المتحدة منذ ما يزيد على عقد من الزمن قد طلب منه التخلص من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية وانه قد رفض أن يفعل ذلك. هذه أيضا قضية يجب أن تعرضها الإدارة بصورة أكثر إقناعا.)
لا ينبغي أن يشغلنا الصراع الداخلي – الحقيقي أو المفتعل – الدائر في كواليس السياسة الأمريكية وعلى صفحات وشاشات الإعلام الأمريكي الصهيوني القذر، فالخلاف ليس بين وجهتي نظر متضادتين. الخلاف ليس بين الهجوم على العراق أو احترام القانون الدولي وتحمل المسئولية كدولة كبرى وضعتها الأقدار بطريق الخطأ رائدة للمجتمع الدولي، إنما يقوم الخلاف حول توقيت الهجوم على العراق والتدخل في شئونه الداخلية. بعض الصهاينة الأمريكيين يقول "اضرب الآن" والبعض الآخر يقول "انتظر لأن الضرب الآن يضر بالمصالح الإسرائيلية". القضية إذن ليست قضية مبدأ وإنما الخلاف قائم حول متي يقوم المجرم بتنفيذ جريمته وأن الأصوب هو الانتظار حتى تأتي اللحظة المواتية. ولا يتوقف الإعلام الصهيوني الأمريكي خلال ذلك عن النباح وافتعال قضايا واتهامات غريبة من وحي الخيال الصهيوني المريض.
يبدو ذلك العفن أكثر وضوحا حينما تتكلم كوندوليسا رايس مستشارة الأمن القومي الصهيوني الأمريكي، فهي تبدو كالصرصار الذي فقد قرون الاستشعار ويتجسد في كلماتها وأسلوب تفكيرها مدي العمق الضحل للإدارة الأمريكية كلها، ولا يفوق تلك المرأة سخفا سوى الرئيس الأمريكي نفسه، فمجرد وصول مثل هذا الرجل التافه إلى مقعد الرئاسة دليل كاف على مدى إفلاس الآلة السياسية الأمريكية وأننا نحن العرب لسنا الوحيدين الذين يحكمنا أرذلنا بهذا العالم العجيب.===============================================
انتهت حلقات هذه المقالات التي نشرتها هنا كما هي دون تغيير، لمن يريد مقارنة اليوم بالأمس فيستبط العبرة ويرى تشابه كل السياسات الصهيونية الأمريكية مع سياسات مافيا الجيش المصري، تلك المافيا الكئيبة التي تسرق وتدمر وتعد الناس بالمستقبل الزاهي الذي لا يمكن أن يحققه من كان مثلهم من اللصوص والعملاء الذين دربتهم الاستخبارات الصهيونية الأمريكية. في نهاية الأمر ربما خرج القارئ المتعمق بالحقيقة الواضحة والمؤلمة وهي ضرورة الخلاص السريع من ذلك المسخ البشري – عبد الفتاح السيسي – الذي وصل إلى منصب الحاكم الأبدي لمصر المنكوبة.
Unique Article

About zekal3_3

Check Also

سر الصناديق السيادية الضخمة

صهيوني يصافح صهيونيهل يعلم الجميع – بما في ذلك يهود العالم – أن عدو البشرية …

رصاصة في رأس العميل الصهيوني

يبدأ برنامجي اليومي بأن اتجه نحو الكمبيوتر في الصباح آملا أن يكون أول ما يصادفني …

ومن المصريين من كان حمارا

بلحة الكذوب يناقض نفسهنعم ما زال في مصر من السوائم من يظن أن الخير قادم …